ads

الاثنين، 5 مارس، 2012

"الكاميكازي لأخير" في اليابان نادم لأنه لم يمت

لم يستطيع " الكاميكازي كونوكي" أن يخفي شعوره بالإحباط إزاء اليابان اليوم ليست تلك التي حلم بها الكاميكازي الأخير معلنها بأسى شديد "لو قدر لرفاقي الكاميكازيين أن ينظروا من السماء حيث أرواحهم إلى اليابان التي أصبحت عليه اليوم لشعروا بالندم ,ربما لأنهم ماتوا في سبيل وطنهم " قد يبدو كونوكي قاسياً في هذه النتيجة التي توصل إليها,لكن مرارته يبررها ذلك أنه يأسف لأن معظم اليابانيين لم يعد يهمهم في الحياة سوى المال متخلين عن القيم اليابانية التقليدية لجهة التضحية لاهثين وراء النموذج الغربي وقيم الحضارة الغربية والأمريكية تحديداً ,في حياتهم .

في الساعات الأولى من صباح الثامن والعشرين من مارس عام1945 ,انطلق الطيار الياباني كينسوكي كونوكي قاعدة "تشيران" الجوية, جنوبي جزيرة كوشو اليابانية, في محاولة لمنع القوات الأمريكية الغازية من الوصول إلى جزيرة أوكيناوا,بعدما تلقى أوامر بالمشاركة في مهمة "كاميكازية" وهي مهمة انتحارية يفترض أن تحقق أثراً تدميرياً ,مدركاً تماماً أنه لن يعود منها حياً, ذلك ان جسده كمئات الأجساد الأخرى ,اختير ليكون أداة تفجيرية,في سبيل هذه الغاية "الوطنية".  لكن الكاميكازي نجا من موت مؤكد,ليظل بعد أكثر من ستين عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية شاهداً على تاريخ لم تزل آثاره مغروسة في الروح اليابانية المعتدة بذاتها, أو ما بقي منها.  في الثمانين من العمر حيث الخطى البطيئة الثقيلة والجسم الواهن والوجه الذي عاركته السنون بتضاريسها الوعرة لا يزال كينسوكي كونوكي يتمتع بذاكرة قوية عن أمس ليس بعيداً تماماً بالنسبة إليه على الأقل في آثاره التي تستوطن قلبه وروحه يوم كان كاميكازياً جسوراً بحسد انتخب ليكون قنبلة شديدة الانفجار تسقط على رأس العدو سيلاً جارفاً من السماء لتحصد عشرات الخسائر في الأرواح والمعدات , سوء الحظ بالنسبة إلى كونوكي هو الذي حال دون إكمال مهمته الانتحارية بنجاح ,لكن حسن الحظ ,ربما, هو ما أبقاه حياً لنا مستعيداً حكايات بطولية لأفراد ضحوا بأنفسهم في سبيل كرامة وطن استباح ماءه وسماءه العدو,والعدو واضح لا يختلف على تحديد هويته اثنان , قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية, تتقدمهم القوات الأمريكية الغازية .


 ريح إلهية:  
في فبراير من عام 1945, صدرت الأوامر لكونوكي, الطيار الشاب في سلاح الجو الياباني, بالمشاركة في الفرق الانتحارية المعروفة باسم"الكاميكازي" و"الكاميكازي" كلمة يابانية الأصل ,تشير إلى الهجمات الانتحارية التي كانت تشنها طائرات الجيش الإمبراطوري الياباني ضد سفن الحلفاء في المراحل الأخيرة من الحملة الباسيفيكية في الحرب العالمية الثانية, أثناء تلك الهجمات كان الطيارون اليابانيون يقومون بتحطيم طائراتهم في سفن العدو عمداً,في بعض الأحيان, كانت الطائرات مثقلة بالمتفجرات والقنابل الإضافية أو بخزانات وقود ممتلئة عن آخرها, كي تحدث أكبر أثر تدميري ممكن بغية إيقاف تقدم الحلفاء نحو الجزر اليابانية ..

ولقد كانت الهجمات الكاميكازية من هذا النوع الأكثر شيوعاً بيد أن اليابانيين وسعوا نطاق العمليات الانتحارية باستخدام عناصر يابانية أخرى إلى جانب سلاح الجو من بينهم طواقم الزوارق البحرية وجنود مشاة يحملون متفجرات ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية راج استخدام مصطلح "كاميكازي" واتسعت دائرة معناه بحيث بات يشير إلى كل أنواع العمليات الانتحارية في العالم وفي كثير من الأحيان قد يستخدم المصطلح بصورة مجازية للتعبير عن سلوك انتحاري ليس قاتلاً بالمعنى الحرفي وإنما بالمعنى المعنوي ..في اللغة اليابانية تترجم كلمة "كازي" إلى "ريح إلهية" (كلمة كمي تعني "إلها" أو "روحاً إلهية" في حين تشير "كازي إلى "الريح")وكان هذا المصطلح قد ظهر إلى حيز الوجود أول مرة للإشارة إلى الإعصار الأسطوري الذي يقال إنه أنقذ اليابان من الغزو المغولي عام 1281 ..

فشل المهمة:
وفقاً لما يقول كونوكي فإن شخص تصدر له الأوامر لشن هجمة كاميكازية يمنح ثلاث دقائق ليسجل وصيته الأخيرة لأسرته لكنه لم يكن ليقول لهم أبداً إنه قد يموت أو إنه سيقوم بعملية كاميكازية على أن كونوكي لم يتمكن من ترك أي رسالة لعائلته.يستذكر هذه اللحظة التي لا تزال رهبتها ماثلة في ذاكرته المتيقظة بقوله "وجدت نفسي عاجزاً عن التفوه بكلمة واحدة أمام جهاز التسجيل في حين أن العديد من أصدقائي تركوا رسائل مؤثرة لعائلاتهم " ..   مع نزول القوات الأمريكية في جزيرة أوكيناوا في إبريل 1945, أضحت قاعدة تشيران العسكرية إحدى قواعد العمليات الكاميكازية تقع أوكيناوا في أقصى جنوب أرخبيل الجزر اليابانية في حين تقع قاعدة "تشيران" في جزيرة كوشو الجزيرة الأكثر امتداداً إلى الجنوب من بين جزر اليابان الأربع الرئيسية ..  مع انبلاج فجر الثامن والعشرين من مارس 1945 انطلق الطيار الياباني المقاتل كينسوكي كونوكي من قاعدة تشيران الجوية جنوب جزيرة كوشو في محاولة لمنع القوات الأمريكية من القيام بإنزال في جزيرة أوكيناوا ترك كونوكي كل حاجياته الشخصية خلفه محتفظاً فقط بصورة صديقه العريف ماساكي أوكاوا الذي كان قد سبقه إلى الموت بشن هجوم كاميكازي على إحدى السفن العدو على أن طائرة كونوكي لم تصل إلى هدفها في جزيرة أوكيناوا بسبب عطل طارئ لحق بها ما اضطره إلى القيام بهبوط اضطراري في جزيرة كوشينوشيما لتصاب يداه وأصابعه بجروح خطيرة . ..   يؤكد كونوكي أنه لم يكن معنياً بإصابته كما لم يكن يفكر في نجاته بل في كيفية إصلاح العطب الذي أصاب الطائرة ليواصل مهمته التي جند من أجلها يقول "كان في مقدوري أن اهبط في المحيط لو كنت قلقاً على حياتي ,,لكنني كنت أكثر قلقاً على الطائرة من قلقي على نفسي أردت أن أطير إلى أوكيناوا ثانية بمجرد إصلاح الطائرة ..  وعلى الرغم من أن إصابته كانت من السوء بحيث كان يتعين بتر يديه إلا أن كونوكي منع الأطباء من القيام بعملية البتر كان يحتاج إلى يديه للتحكم في ناقل الحركة في طائرته المقاتلة واثقاً بأنه لن يمضي وقت طويل قبل أن تلتئم جراحه ويتعافى غير أن كونوكي الذي لم يستسلم لليأس لحظة مؤمناً بأن طائرته تنتظره ليلحق بها إلى هاوية الموت المخطط له ,أمضى آخر يوم من الحرب العالمية الثانية في سرير المرض في المستشفى حاملاً معه ذكرى مؤلمة وأصابع مشوهة إلى الأبد .
شيء من الإحباط:  
بعد نهاية الحرب سئل كونوكي بوصفه الكاميكازي الوحيد على قيد الحياة ما إذا كانت راودته أي أفكار بشأن رفض الأوامر التي أسندت إليه للقيام بالمهمة الانتحارية أو ما إذا كانت قد مرت في خاطره ولو لجزء من الثانية فكرة الهرب بطائرته لكن كونوكي كان حاسماً وصريحاً في إجابته "إن طرح أي شخص مثل هذا السؤال يعكس غياب الفهم لديه لمعنى الحرب"ويستطرد في هذا الخصوص "لا توجد في الحرب ديمقراطية وبالتالي لم يكن لدي خيار وحتى قبل أن نتلقى الأوامر معظم الطيارين كانوا مستعدين سلفاً للموت "
"هذه هي الحرب " يعود كونوكي فيؤكد ويغمض عينيه على شريط الأمس الذي لايزال يضيء حيياً في ما تبقى من عمره ثم يقول بنبرة لم تخلُ من أسى وألم "حين أتأمل تلك الأيام أشعر بالندم والمرارة لأنني لم أتمكن من الوصول إلى أوكيناوا ولو أنني أكملت مهمتي لنجحت في منع إنزال القوات الأمريكية والأهم من هذا وذاك لنجحت في إنقاذ حياة العديد من البشر في أوكيناوا .

 اليوم وبعد كل هذه السنوات لاتزال صور الرفاق الكاميكازيين الذين ماتوا تلجّ في الذاكرة كونوكي وفي كل مرة يستحضر فيها وجوههم البعيدة تراه عازما على أن يجعل اليابان بلداً أفضل كي لا تذهب التضحيات التي قدمها الرفاق سدى وكان كونوكي بعد الحرب قد انخرط في عدد من الوظائف المدنية في مؤسسات بلاده حريصاً على أن يمارس مهامه الوظيفية بحماسة المقاتل ودأب المحارب على أن يكون في المقدمة .
إن الحرب قد تدمر بلداً أو جزء من بلد لكنها لا يمكن أن تدمر روح شعب وحضارته والروح اليابانية باقية طالما أن ثمة أنفاساً ترفدها تستوعب قيمها وتعيد تمثيلها في كل جوانب الحياة .


إرسال تعليق

ترقيم الصفحات

جميع الحقوق محفوظة © 2014 سمفونية التاريخ ....
برمجة : يعقوب رضا