ads

الجمعة، 16 يوليو، 2010

حقائق غائبة حول قضية التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما

حقائق غائبة حول قضية التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما



كتب: د / أحمد عبد الحميد عبد الحق
تعد قضية التحكيم التي كانت بين جيشي العراق والشام بعد وقعة صفين التي دارت رحاها بين الطرفين من القضايا الشائكة في التاريخ الإسلامي , وقد كثر فيها القيل والقال دون بينة , وما زالت الأقلام تخوض فيها دون دليل من سمع أو بصر أو فؤاد , وهذه سطور تحاول أن تعالج هذه القضية بشيء من الحيطة والحذر , وإن كان الوقت غير ملائم لعرضها ,
ولكن ابتغاء تصحيح الصورة التي تبدو قاتمة لدى الشباب المؤمن اليوم بعد أن انحرفت به سبل الدراسات المتبعة في معاهدنا العلمية ، وارتفاع صوت المتشيعة الذين اتخذوا سب الصحابة والتطاول عليهم لهم دينا ...

فلم تمض سوى أيام قليلة على استخلاف علي ـ رضي الله عنه ـ حتى بدأ الذين شاركوا في قتل الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ في التسلسل إلى جيشه , ومحاولة الهيمنة عليه , فاقترح عليه طلحة والزبير ـ رضي الله عنهما ـ أن يبعثهما ليأتيانه بالعساكر من البصرة والكوفة ؛ فيتقوى بهم على قتلة عثمان ، فيقتص منهم ويقطع دابرهم فرفض، مما دفع بهما وعائشة – رضي الله عنهم – إلى الخروج إلى البصرة ؛ طمعا في تكوين متطوعين من المسلمين يساعدونهم في محاصرة هؤلاء , والتخلص منهم قبل أن تستفحل قوتهم , ويعجز علي ـ رضي الله عنه ـ عن الخروج من تحت سيطرتهم .

فأسرع علي ـ رضي الله عنه ـ ليسبقهم إليها بعد أن حسب أن في خروجهم تفريقا لكلمة المسلمين , فلما التقى بهم جرت بينهما مساع توجت بالصلح ، وكاد كل فريق أن يعود من حيث أتى , وأن يجمتع شمل الأمة تحت إمارة علي ـ رضي الله عنه ـ الذي لم يعترض عليها أحد من صالحي المسلمين وأهل السبق , لكن قتلة عثمان تنبهوا لذلك , وأحسوا بأن استقرار الأمور سيتيح الفرصة لعلي ـ رضي الله عنه ـ ليقتص منهم , ويطبق فيهم حكم الله تعالى , فأفسدوا عليهم صلحهم , ودفعوهم إلى الاقتتال دفعا ، دون أن يدروا من وراء ذلك .

فتقابلت الطائفتان المؤمنتان في موقعتي الجمل – بالبصرة – وراح فيها الكثير من خيرة المؤمنين على رأسهم الزبير وطلحة ـ رضي الله عنهما ـ الذين كانا مؤهلين للخلافة بعد علي ـ رضي الله عنه ـ وهذا ما جرأ أهل الشام على المسارعة بالمطالبة بالاقتصاص من قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ حيث رأوا في تأخر القصاص منهم ازديادا لقوتهم , وعظما لخطرهم , وجعلوا ذلك شرطاً لبيعة علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـفتفرقت الأمور عليه بعد أن كادت تجتمع , ووجد نفسه مضطرا لمواجهة أهل الشام على غير إرادة منه بعد أن عجز عن إقامة الحدود على قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان , لا لقلة جنوده وإنما لورعه الزائد الذي جعله يخشى من قتل نفس بريئة بين هؤلاء.

ولكن الذي ربما لم يفطن له علي ـ رضي الله عنه ـ أن المصلحة العامة كانت تقتضي بعضا من التضحية , ومن راح بريئا فالله حسيبه , ونسي أن قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ لم يجرءوا على قتله إلا لعدم إقدامه على معاقبتهم على سعيهم الحثيث لإثارة الفتنة ؛ خشية أن يأخذهم بالظنة .

ورفض نصيحة من نصحه بالتعجيل بالتخلص منهم بعد أن اتضحت نيتهم في تقويض أركان الخلافة الإسلامية , وتفريق شمل الأمة ...

سار علي ـ رضي الله عنه ـ بعد وقعة الجمل إلى أهل الشام وهو لا يدري أن في سيره إليهم من الضرر ما لا يوازيه قتال من اشتركوا في قتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ ومن تحزب لهم , فمجموع قتلة عثمان ومن انضم إليهم كان لا يزيد تقريبا عن 2500 شخص ، في حين كان عدد الذين قتلوا في صفين من الجانبين يقدر بعشرات الآلف , فضلا عن أنه ساهم من حيث لا يدري في تقوية شوكة قتلة عثمان , وتوفير الحماية لهم، وهم بدورهم عززوا مواقعهم في عسكره ، وصار بعضهم من كبار قادته ، كالأشتر النخعي ، وحكيم بن جبلة " وفرقوا عليه شيعته , فانشغل بقتالهم عن مطالبة الذين أبوا عليه البيعة من قبل .

هذا فضلا عن قعود كثير من الصحابة الذين رضوا بخلافته , ولم يرضوا بمساعدته في قتال أهل الشام , مثل عمران بن حصين ، وسعد بن أبي وقاص ، وأسامة بن زيد ، ومحمد بن سلمة ، وعبد الله بن عمر ، وأبو هريرة ، وسعيد بن زيد ـ رضي الله عنهم ـ وقعد بقعودهم الكثير من عامة الصحابة ؛ اقتداء بهم أو استجابة لطلبهم , حيث كان بعضهم كعمران بن حصين – رضي الله عنه – يحث على اعتزال الحرب ، وينهى عن بيع السلاح ، ويقول : هو بيع السلاح في الفتنة ، وأبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – الذي كان يجمع الناس ويحذرهم من المشاركة في الفتنة , ويثبطهم عن القتال , ويذكرهم بما سمعه من الرسول – عليه الصلاة والسلام – في اعتزال الفتنة .

وقد حاول علي ـ رضي الله عنه ـ أن يذكرهم بوجوب طاعته , وحقه عليهم فأبوا , فقد ذُكر أنه عندما التقى بأسامة بن زيد– رضي الله عنه – قال له : ما كنا نعدك إلا من أنفسنا يا أسامة فلم لا تدخل معنا ؟ فقال أسامة : يا أبا الحسن إنك والله لو أخذت بمشفر شفة الأسد لأخذت بمشفره الآخر حتى نهلك جميعاً ، أو نحيا جميعاً ، فأما هذا الأمر الذي أنت فيه ، فوالله لا أدخل فيه أبداً .

وقيل لمحمد بن مسلمة الأنصاري – رضي الله عنه – ألا تخرج للنهي والأمر ؟ قال : قال لي الرسول صلى الله عليه وسلم : "ستكون فرقة وفتنة واختلاف فاكسر سيفك ، واقطع وترك ، واجلس في بيتك" (رواه الطبراني في المعجم الكبير).

بل كان من أقربائه من كره مقاتلة أهل الشام , منهم ابنه الحسن ـ رضي الله عنه ـ الذي قال له : يا أبتي دع هذا ، فإن فيه سفكاً لدماء المسلمين واختلاف بينهم , فلم يقبل منه (1) وعبد الله بن عباس ، الذي نصحه بعدم الخروج للقتال ، وحذره من موافقة رؤوس الفتنة الذين حسنوا له الخروج إلى العراق من أجل القتال ، فلم يستجب له (2)...

والتقى الجيشان جيش علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ في منطقة صفين هذه المنطقة التي اشتهرت في التاريخ بشهرة المعركة , واستحر القتال بين المسلمين الذين طالما سعى كل واحد منهم لحماية الآخر بنفسه , وأحبه حبه لبنيه وأهله , والتقى الرجال الذين طالما جمع بينهم الحب والمودة , وسالت الدماء النقية هدرا , تلك الدماء التي عز سيلها في أعتى المعارك في تذليل أقوى قوتين على وجه المعمورة ..

التقى الأطهار في صفين ليقول كل منهم للآخر : أقاتلي يا أبا ... , ولم يجد الشيطان فرصة كهاته أمام استحياء كل فريق من الفرار من أرض المعركة حتى اقترح عمرو بن العاص على معاوية – رضي الله عنهما – بعرض المصالحة ووقف القتال على علي ـ رضي الله عنه ـ طلبا للمسالمة بعد أن كادت الحرب تطحن الفريقين طحنا , فوافقه وأمر جيشه برفع المصف كراية بيضاء ،ثم أرسلا إلى علي يعرضان عليه الصلح والاحتكام إلى كتاب الله .

وهنا وجد علي ـ رضي الله عنه ـ الفرصة قد واتته ليحقن ما تبقى من دماء الفريقين , فقال : " نعم أنا أولى بذلك ، بيننا وبينكم كتاب الله " ومرة أخرى يرى أعداء الأمة الذين اندسوا بين صفوفه في اندمال جرح المسلمين خطرا عليهم , فيعلنوا العصيان على أمير المؤمنين عليا , ويستهووا الجهلة من المسلمين تحت زعم "لا حكم إلا لله " وأفسدوا عليه أمره كما أفسدوه قبيل وقعة الجمل .

قال : حبيب بن أبي ثابت : أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهر , وفيما استجابوا له , وفيما فارقوه , وفيما استحل قتالهم , فقال : كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل , فقال عمرو بن العاص لمعاوية : أرسل إلى علي بمصحف فأدعه إلى كتاب الله , فإنه لن يأبى عليك , فجاء به رجل , فقال : بيننا وبينكم كتاب الله " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ويتولى فريق منهم بعد ذلك وهم معرضون " آل عمران 23 .

فقال علي : نعم . أنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله , فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القراء , وسيوفهم على عواتقهم , فقالوا : يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم , فتكلم سهل بن حنيف فقال : يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رايتنا يوم الحديبية ـ يعني الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين ـ ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله فقال يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل..... (3)

وهذه هي الرواية التي ضاعت في غيابات الروايات التي ذكرها المؤرخون , وأصر من جاء بعدهم على التنكر لها , وصار الشائع عند الناس أن عليا ـ رضي الله عنه ـ هو الذي رفض قبول وقف القتال , وأن الخوارج هم الذين أجبره على قبوله على مضض , كأنهم كانوا أحرص على حقن دماء المسلمين منه , مع إن المشهور عنهم استحلالهم لدم كل مخالف لهم .

وزعم من زعم أنه لما رفع أهل الشام المصاحف ، قال علي – رضي الله عنه – لأصحابه : إن في الأمر مكيدة ، ويجب الاستمرار في القتال ، وأن رؤوس أهل الشام ، كمعاوية ، وعمرو بن العاص ، وابن أبي معيط ، وحبيب بن مسلمة ، وابن أبي سرح ، والضحاك بن قيس ، ليسوا أصحاب دين ولا قرآن ، وأنه قد صحبهم أطفالاً ورجالا فكانوا شر أطفال , وشر رجال " مع إن من بين هؤلاء من يزيد عمره على عمر علي بعشرات السنين , وفيهم من يصغره بكثير , فكيف صحبهم أطفالا ورجالا ؟! ..

وفيهم من الصحابة من هو مشهور له بالفضل , وفيهم من اعتزل الفتنة , ولم يؤيد عليا أو معاوية في موقفهما مثل : عبد الله بن سعد بن أبي سراح , وابن أبي معيط , فالأول لم يبايع علياً ولا معاية , واعتزال الفتنة بفلسطين إلى أن توفي بها سنة 36هـ قبل معركة صفين ، والثاني اعتزل الفتنة , ولم ينضم إلى أية طائفة .

ثم قال : ويحكم ( هكذا تزهم الرواية ) والله إنهم يقرءونها ولا يعملون بما فيها , وما رفعوها إلا خديعة ودهاء ومكيدة(4)...وأن جماعة من القراء والخوارج طالبوه بالموافقة على وقف القتال ، وهددوه بالقتل أو يدفعونه إلى خصمه إن لم يوافق ، فرضخ لهم , ووافقهم بعدما حذرهم من مغبة فعلهم هذا ، وأمر قادته بوقف القتال ...

وكل هذا ليس من الصحة في شيء , وإنما ما حصل هو إسراع علي بالموافقة على قبول التحاكم إلى كتاب الله سبحانه وتعالى , لأنه كان يتورع من قتال من تدور حوله شبهة الاتهام بالمشاركة في قتل الخليفة عثمان الذي يعد اعتدء على منصب الخلافة , وهيبة الأمة قبل أن يكون اعتداء على نفس عثمان رضي الله عنه , فكيف لا يتورع من قتال أهل الشام وهو يرى صدق نية الكثير منهم , وشهد لمن مات على حسن نيته بالجنة , حيث قال : إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة , وطالما تمنى أن لو كانت منيته قد حضرته قبل أن يشهد فيه هذا اليوم الذي سالت في دماء المسلمين أنهارا ...

وكما افترى كثير من الرواة على علي في أمر وقف القتال , وزعموا أنه لم يقبله افتروا أيضا في أمر تعيين الممثل عنه في التفاوض ( أقصد أبا موسى الأشعري ) فزعموا أن الخوارج أجبروه على اختياره , فقال لهم : فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن , إني لا أرى أن أُولي أبا موسى , فقال الأشعث وزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي : لا نرضى إلا به , فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه , قال علي : فإنه ليس لي بثقة , قد فارقني وخذل الناس عني , ثم هرب مني حتى أمنته بعد أشهر , ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك , قالوا : ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس , لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر , فقال علي : فإني أجعل الأشتر (5) .

وملأت أخبارهم الكتب بأن أبا موسى كان مغفلا , وأن عمرا كان ماكرا ذكيا , وأن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ حذر أبا موسى منه , فلم يتنبه لنصحه , وأنه تقدم أمام الحاضرين بعد الصلح وقال : إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة , فلم نر أصلح لأمرها ، ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أن نخلع علياً ومعاوية , وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر ، فيولوا منهم من أحبوا عليهم ، وإني قد خلعت علياً ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً .

ثم تنحى وأقبل ابن العاص فقام مقامه ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن هذا قال ما سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولي عثمان بن عفان الطالب بدمه , وأحق الناس بمقامه ، فقال أبو موسى : مالك لا وفقك الله ، غدرت وفجرت ! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث ، فقال عمرو : إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، ثم انصرف مع أهل الشام إلى معاوية ، وسلموا عليه بالخلافة , وقال ابن عباس : قبح الله رأي أبي موسى حذرته وأمرته بالرأي فما عقل , فكان أبو موسى يقول : حذرني ابن عباس غدرة الفاسق : لكنني أطمأننت إليه ، وظنت أنه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة...

وهذه الروايات ما هي إلا قصص وحواديت كان يتسلى بها العوام من الشيعة بعد أن صار دينهم القصص والأساطير ؛ لأن وصف أبي موسى بأنه مغفل وضيعف الرأي ، وعمرو بأنه مكار ومخادع وداهية ، زعم غير صحيح ؟ فأبو موسى قد أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ بن جبل ، وولاه عمر بن الخطاب إمارة البصرة والكوفة .

وأُثني عليه بالفهم وخصه بكتابه الشهير في آداب القضاء وقواعده ، وكان من أعلم الصاحبة وأقضاهم ، وجاهد زمن الرسول وبعده ، وهو الذي فتح مدينتي إصفهان وتستر , فهل يعقل أن يكون من هذه صفاته وأعماله مغفلا ضعيف الرأي ؟ (6)

يشهد لذلك ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي المالكي "أن الطائفة التاريخية الركيكة عندما أرادت تزييف التاريخ , روجت بين الناس أن أبا موسى كان أبلهاً ضعيف الرأي محدد القوى ، وأن عمرو بن العاص كان داهية ضربت الأمثال بدهائه ، كل ذلك ليسهل له تحقيق ما أرادته.

وأما عمرو بن العاص ، فقد شهد له التاريخ بالفطنة ، والذكاء والحزم ، ولكنه ما كان مخادعا ولا ماكرا , فقد أسلم قبل الفتح وهاجر إلى المدينة طواعية ، ومدحه الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان عندما قال : "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص" رواه أحمد والترمذي ،وحسنه الألباني .

وولاه رسول الله إمرة جيش غزوة ذات السلاسل وتحت إمرته كبار الصحابة ، وحديثه مروي في الصحيحين ، وغيرهما من كتب الحديث , ولذا فإنه من المستبعد جداً أن يصدر عنه ما نسب إليه من مكر وخداع وكذب.

كما أن ما ذكر في هذه الروايات عن عرض نتيجة التحكيم لا يمكن أن يقبله عقل ولا منطق , وذلك لأن أبا موسى وعمرو لم يجتمعا سرا ثم يلقيان بيانهما أمام الناس بعد الاتفاق , وإنما كان معهما من الطرفين قرابة التسعمائة , بينهم كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر , وجاء في كتاب الصلح كما ذكر الزهري " يأخذ الحكمان من أرادا من الشهود , ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة ".

وهذه عبارة موجزة اقتبسها من بين ما ذكره المسعودي وابن خلدون "قيل: إنه لم يكن بينهما غير ما كتباه في الصحيفة , وإقرار أبي موسى بأن عثمان قتل مظلوماً " .

مما يعني أن التداول تم في حضور الشهود , وإذا كانت ثمة نتيجة تم التوصل إليها فلابد أن تكون قد كتبت , وشهد عليها الحاضرون , فكيف إذن يغير الممثلان ما نص فيها , ولو افترضنا أن البيان ألقي مشافهة , فلماذا لم يعترض الشهود , ويقولوا لعمرو : إنك قد كذبت , وخالفت في بيانك ما تم الاتفاق عليه ؟؟؟ , ثم هذا البيان ألقي أمام من ؟؟ وقد رحل الجيشان قبل أن يتم الاتفاق , عاد جيش الشام إلى الشام , وجيش العراق إلى العراق .

يقول الطبري : "حكموا الحكمين فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري , واختار أهل الشام عمرو بن العاص , فتفرق أهل صفين حين حُكم الحكمان , فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن , ويخفضا ما خفض القرآن , وأن يختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم , وأنهما يجتمعان بدومة الجندل , فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح " (8) .

وهذا يجعلني أقول ـ والله أعلم ـ إن التحكيم كان ينص على أمرين , الأول : أن يوقف القتال ويعود كل فريق من حيث أتى , وهذا ما حصل ونصت عليه رواية الطبري , والثاني : أن يتباحث الحكمان في إيجاد حل للقضية الشائكة التي اشتعلت الحرب بسببها , وهي كيفية القصاص من قتلة الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ وهو ما انفض عنه الحكمان دون التوصل فيه إلى حل .

وأما قضية الخلافة فقد أقحمها الرواة فيما بعد , والذين تلقوا معلوماتهم من عوام الناس , وما جعلني أذهب إلى هذا الرأي الذي قد يبدو بعيدا عند الكثيرين أن أمر الخلافة والتباحث فيها لم يكن إلى هؤلاء , وإنما لأهل الحل والعقد , وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص , وعبد الرحمن بن عوف , وعبد الله بن عمر , ومن تبقى من كبار الأنصار , وما كان أبو موسى وعمرو على فضلهما من أهل الشورى , فلماذا إذا يقدمان ويترك أهل الحق والفضل خصوصا وأنه لم يرد أن أحد الطائفتين قد اعترض على أحد منهم , وأن هؤلاء الثلاثة لم يتحيزوا لفريق دون الآخر , وكانوا ممن اعتزل القتال .

ويؤيد ذلك تضارب الأقوال التي أقحمت موضوع الخلافة في التحاكم ، فرواية تقول : إنهما اتفقا على خلع علي ومعاوية ، وترك الأمر شورى بين المسلمين , وأخرى تقول : إنهما خلعا الاثنين وعينا ابن عمر خليفة للمسلمين ، وثالثة تقول : إنهما اتفقا على أن يخلع كل واحد صاحبه ، دون التطرق لمصير الخلافة.

كما يؤكده أيضا ما توصل إليه في بحثه الشيخ محب الدين الخطيب من أن الأمر الذي اتفق الحكمان على رده إلى الأمة أو إلى أهل الشورى ليس إلا أمر الخلاف بين علي ومعاوية حول قتلة عثمان.

وإني هنا أستأنس بما ذكره العالم ابن العربي حيث يقول : إن الناس قد تحكموا في أمر التحكيم , فقالوا فيه ما لا يرضاه الله ، وإذا لحظتموه بعين المروءة – دون الديانة – رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب – في الأكثر – عدم الدين ، وفي الأقل جهل مبين, وأما ما روي عما جرى بين الحكمين فهو كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط , وإنما هو شيء أخبر به المبتدعة ، ووضعته التاريخية للملوك , فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع.

أما لماذا انفض اجتماع التحكيم دون أن يصل لنتيجة مرضية فيما يخص هذه النقطة فلم أجد لها تأويلا غير تفرق الأمر على علي ـ رضي الله عنه ـ أكثر من ذي قبل ,وعلم المحكمين بعجزه عن مسألة القصاص من القتلة , ففي الوقت الذي كان يتم بحث هذا الأمر بين ممثلي الطائفتين كان ـ رضي الله عنه ـ مشغولا بقتال الحرورية , فكيف يفرغ لمتابعة ما يدور بين المتحاكين , ويسعى لتنفيذ ما يتفقون عليه , بل كيف يتفرغ لأمور الأمة وهو لا يفرغ من صراع معهم إلا ويدخل في آخر .

ولعل ذلك ينبهنا إلى أن خير وسيلة للقضاء على الشر هو اجتثاثه قبل أن يستفحل شره , وإلا ففي كل يوم يمر عليه يزداد خطره حتى يودي بهيبة الدولة كما رأينا في أثر المردة الذين ظهروا في حياة عثمان ـ رضي الله عنه ـ وكيف وصل بهم الحال إلى تقويض أركان الخلافة الإسلامية الراشدة إلى أجل غير مسمى , فضلا عما سال من دماء , ولولا أن الأمة كانت لا تزال في بداية شبابها , وأن معاوية الذي آلى إليه الحكم بعد زوال الخلافة الراشدة كان من بقية الصحابة لحدث ما لا يعلمه إلا الله , وأن نعلم أن أخذ الروايات التاريخية من أفواه العوام من الناس كان مما شوه صورة المجتمع الإسلامي الأول , وأخفى عنا حقيقة ما حدث في فتنة المسلمين الأولى وكيف حدث .

ــــــــــــــــ

الهوامش :

(1)ـ البداية والنهاية : ج7 ص 230

(2)ـ د/ خالد كبير علال : قضية التحكيم في موقعة صفين بين الحقائق والأباطيل , دار البلاغ ، الجزائر ، ط 1 ، 2002م صـ 4و5

(3)ـ البداية : ج7 ص 273

(4)ـ السابق : ج7 ص 274

(5) ـ الطبري جزء 3 - صفحة 102

(6) ـ د/ خالد كبير علال : قضية التحكيم في موقعة صفين بين الحقائق والأباطيل , دار البلاغ ، الجزائر ، ط 1 ، 2002م صـ 18 وما بعدها

(7) ـ الطبري :جزء 3 - صفحة 104

(8) ـ السابق : جزء 3 - صفحة 105

إرسال تعليق

ترقيم الصفحات

جميع الحقوق محفوظة © 2014 سمفونية التاريخ ....
برمجة : يعقوب رضا