ads

الجمعة، 16 يوليو 2010

الصراعات بين التيارات السياسية في القرن العشرين" روسيا نموذجاً"




الصراعات. السياسية في القرن العشرين "روسيا نموذجاً"


إنالأجيال القادمة سوف تنظر إلى القرن العشرين باعتباره الأكثر عسكرةً والأكثر عنفاً،  ففي هذا القرن اكتسبت الحروب لأول مرة طابعاً عالمياً ، وقد انقضى القسم الأكبر منهفي أجواء المجابهة والصدام المكلف والمنهك بين نظامين عالميين، كما تسلحت الدولالرئيسية بأكثر الأصناف فتكاً من بين أسلحة الدمار الشامل ، ومع نهاية القرن اختبرالعديد من البلدان على نفسه التأثير غير المدروس أو المدروس بدرجة غير كافيةلتكنولوجيا المعلومات ذات القدرة التدميرية الهائلة.‏

"لقدقدم التاريخ السياسي للبشرية أكبر عدد من الصراعات ، إن الصراع من أجل السلطة، منأجل الاحتفاظ بها وتوطيدها، كما ومحاولة القضاء عليها، قد خلق الكثير من الآمالوالأحقاد، المخاوف والأطماع، العمل المجهد للعقل عند المفكرين من علماءالإيديولوجيا والسياسة، من الثوريين وأعداء الثورة، من المحافظين و الراديكاليين،من المتطرفين والإصلاحيين".‏
لقدوجدت روسيا نفسها في غمرة الأحداث العالمية ـ التأزم العميق للتناقضات الاجتماعيةالداخلية في بدايات القرن العشرين، حربين عالميتين، الثورة الاشتراكية وما رافقهامن تغيرات ـ هي الأكثر راديكالية في التاريخ مثل، الحرب الأهلية إلى جانب الغزوالأجنبي، التحولات الصراعية من حيث الجوهر في الحقبة السوفيتية في مجال الاقتصاد،الزراعة، الثقافة والفكر والإيديولوجيا، التعليم والتربية ، وفي النهاية، مع أفولالقرن العشرين تبلورت مرحلة نادرة جداً ، من حيث النفاق السياسي، ومن حيث الكذبوالعهر السياسي الواسم للعقد الأخير، الذي أطلق عليه عقد الإصلاحات الديموقراطية ..
 هذه الإصلاحات التي تسببت بنشوب موجة واسعة من النزاعات المتواصلة والتي لا تنتهي،  ففي محاضرة لـه في المؤتمر العلمي العالمي في معهد العلاقات الدولية في موسكو في 21ـ 23 أكتوبر من عام 1999 ذكر الصحفي الإيطالي المعروف ج. كييزا J.kieza الآتي: "لنيكون سهلاً بالنسبة للمؤرخين اللاحقين أن يستطيعوا فهم وتفسير الخيانة العظمىللمصالح القومية من قبل الطبقة الحاكمة ، ومن قبل المثقفين الروس، وذلك بعد أن تمكنوامن الوصول إلى السلطة عن طريق القضاء على الاتحاد السوفييتي ، والتاريخ لا يعرف حالةمشابهة تم فيها طواعية القضاء على الوطن والثقافة، هناك أمثلة على هزيمة هذه الدولةأو تلك على أثر حرب، أو كنتيجة لامتصاصها ـ دون حرب ـ من ثقافات وقوميات أكثر قوة،وأكثر دينامية، وأكثر تنظيماً وأكثر تطوراً، ولكن لم يحصل أبداً أن بلداً سبق وكانبمعنى ما إمبراطورية، بلداً ـ دولة عظمى، بلداً ـ خزاناً لثقافة عريقة ولعلوم عظيمةبالمقاييس العالمية، والذي كان يعتبر واحدة من دولتين اثنتين أو من ثلاث دول أوائلفي العالم، أن انهار واستسلم دون معركة ، وبلغ خلال بضع سنوات ذلك الحد غير المسبوقمن الانتحار والانحدار، إطلاقاً لم يكن هناك، كما يبدو لي، مثل هذا المهزوم، الذيراح يكيل كل ذلك المديح للمنتصر".‏


لقدتقاطعت الظروف المأساوية لروسيا مع زمن التحولات الراديكالية في النظام العالمي وفيالمجتمع الدولي، فالعالم المعاصر من حيث تطوره أصبح أكثر اعتماداً على بعضه بعضاً،أصبح ديناميكياً وتشاركياً، وبهذا الخصوص صار الحديث أكثر عن عولمة العملياتالمجتمعية، بمعنى الانفتاح الأوسع ، وجعل المجتمع الدولي أكثر أممية، وتشكل المجتمعما بعد الصناعي، المجتمع التكنوقراطي.
 وبالفعل إن التغيرات الجذرية التي أصابتوتصيب التطور الاجتماعي واضحة، إلا أنها جميعها تنطلق وتتفاعل انطلاقاً من أساسسابق، فالإنسان يحافظ خلال تطوره على الإرهاصات الأولية وعلى مواصفات طبيعتهالخاصة، من هنا وجد ذلك التناقض المتأزم الذي يثير بعض مشاعر عدم الثقة والتردد أو،على الأقل، الالتباس بشأن عواقب التوجهات الحاصلة.
 لقد كان دانييل بيل D.Bell صاحبنظرية المجتمع ما بعد الصناعي على حق في استقرائه للمستقبل، أما بخصوص المجتمعالصناعي فقد فقال: إن هذه الحقبة تتميز بانتصار "العقلانية والتقدم" بينما المجتمعما بعد الصناعي يميزه الخوف والهلع".‏
إنالمستقبل بالنسبة لغالبية سكان الكرة الأرضية يبدو في الواقع متلبداً بالغيوم وغيرسعيد، ذلك أن النمو غير المنضبط للسكان، والذي يفوق بشكل كبير إنتاج الموادالاستهلاكية، هو من نصيب تلك المساحات الشاسعة مما يسمى بالمحيط العالمي، حيث مستوىالمعيشة بالأساس ومن دون ذلك يبلغ حداً متدنياً، والمشاكل البيئية هناك متفاقمةأيضاً، لأنه لا توجد موارد من أجل تنفيذ مشاريع حماية للبيئة، وهناك أيضاً نجد مدىالارتباط العميق (الاقتصادي، المعلوماتي، السياسي والعسكري) لتلك البلدان بالدولالمتقدمة في العالم، ولا تعتبر هذه الحالة مميزة لسكان المحيط بالمفهوم الجغرافيفقط ، إذ يوجد محيط بالمعنى الاجتماعي أيضاً.
ليس هناك في العالم من مدينة كبيرة أوبلد متطور اقتصادياً، حيث يمكن أن لا تتمايز بشكل واضح حياة الشرائح المختلفة منالسكان، ففي كل عاصمة أوروبية بصرف النظر عن مستوى الرفاهية، يوجد منبوذون، مهانونومحرومون ، لا تختلف حياتهم عن حياة سكان أكثر البلدان فقراً في العالم.‏
ليستقليلة المشاكل الخاصة التي تعاني منها البلدان المتطورة، إن دخول الأتمتةوالتكنولوجيا الإلكترونية قد أدى إلى تقليص فرص العمل إلى حد كبير، والبطالة لاتنعكس بشكل سلبي فقط على الجانب المادي من حياة العاطلين عن العمل، بل تمارستأثيراً ضاغطاً أيضاً في نفسية حتى أولئك الذين لا زالوا على رأس عملهم، إن ظاهرةالبطالة بحد ذاتها حقيقة، ووجودها يزعزع أسس الاستقرار الاجتماعي، ويملا حياةالكثيرين من المواطنين بمختلف مشاعر اليأس والسوداوية، وذلك على الرغم من المستوىالعالي والرغيد نسبياً للمعيشة من الناحية المادية، وإذا كانت اليابان ما زالتتتغلب على تعقيدات أتمتة الاقتصاد بفضل البنية الفريدة للشركات فيها، فإن الولاياتالمتحدة الأمريكية وأوروبا مضطرة لأن تكبح هذه العملية بشكل مصطنع، خشية من حدوثهزات اجتماعية كبيرة.‏
كماتبعث على القلق المتزايد حالة النظام النقدي، فالتدفقات المالية العالمية تكتسبطابعاً متخيلاً أكثر فأكثر، لقد تخلت الولايات المتحدة الأمريكية في بدايةالسبعينيات عن الذهب كمعيار نقدي مما جعل ذلك مقياساً مستقراً إلى حد ما كبير، وإنيكن غير كامل، لتقييم الأوراق النقدية، إن الأموال المعاصرة، التي تدعى "بالأموالالطيارة Phantom Money، ليست بلا رصيد فقط، بل غير محولة إلى سلع مادية بالشكلالطبيعي، وفي حال تمت المطالبة بها من قبل المقرضين، فإن من غير الممكن تسديدها،  وهي تبلغ أرقاماً خيالية، إذ يبلغ الحجم اليومي للتداولات المالية عبر شبكةالإنترنت أكثر من تريليون دولار.‏
هناكتأثير تفريقي أو، يمكن القول، تفكيكي في النسيج الاجتماعي لما يسمى بمجتمعات الرفاهمن قبل العيوب القديمة ـ الجديدة، ففي تلك المجتمعات ترتفع نسبة الإجرام، يزداد عددالذين يخرقون شيفرات الكمبيوترات المصرفية، وتذهب أدراج الرياح جهود محاربة التجارةغير القانونية للأسلحة، وكذلك مكافحة تجارة المخدرات والهجرة غير الشرعية، وهي التيتتحول تدريجياً إلى شكل من أشكال الرق الحديث.‏
هناكأمثلة على الاتجاهات المثيرة للقلق في تطور الأحداث ذات الطابع العالمي، فقد اكتسبتأهمية غير مسبوقة في العالم المعاصر مختلف الشركات العابرة للقارات (TNC) ومختلفالتنظيمات والمؤسسات الدولية، والتي هي في غالبيتها غير قانونية أو غير شرعية (من Legitimate) عملياً: منظمة التجارة العالمية، بنك النقد الدّولي، NATO وغيرها،وكلها من حيث الجوهر عبارة عن اتحادات من الموظفين الذين لم ينتخبهم أحد، وهي تكتسبأكثر فأكثر استقلالية ومزيداً من الغطرسة، ولنشاطها دور فاعل وتأثير كبير في حالةالمجتمع الدولي، أما المؤسسات التمثيلية ذات الصفة الشرعية أو الانتخابية مثل الأممالمتحدة (UN)، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا غالباً ما تكون عاجزة عن منافستها،ويكفي أن نورد على سبيل المثال أنشطة حلف الناتو في منطقة البلقان لكي يصبح واضحاًعما يدور الحديث.‏
لقدتضاءل الكلام عن تقارير نادي روما، ولكن المشاكل والقضايا المطروحة في تلك التقاريرما زالت على حالها، فالضغط الصناعي للحضارة المعاصرة على الطبيعة لم يتراجع، وإنهلجلي للعيان الانفلات المستمر وغياب الرقابة على تلك العملية، واليوم لا يزال يقومبدور المحرك الرئيسي لتطور الحضارة؛ إذ بمجرد أن تشغل جهاز التلفزيون في نيويورك،باريس، لندن أو موسكو، ستكتشف بوضوح أن كل شيء يجري إنما يتعلق بالبيع والشراء،بينما تصورات وحسابات الأفق البعيد لا مكان لها في ذلك الحساب البارد والعملي؛فالمفيد هو ما ينفع هنا والآن.‏
إنالعمليات السلبية للتطور العالمي تنشأ على خلفية الهوة الكبيرة، التي تفصل بينالغنى والفقر، ذلك أن النسبة بين دخل الأغنياء والفقراء، بين المليار "الذهبي" والمليار الفقير لم تتقلص قط، بل ازدادت بسرعة قياسية وبلغت 13 إلى واحد في عام 1960، و 60 إلى واحد عام 1999، وهذا بدوره لا يشكل عامل استقرار إضافي للمجتمعالدولي.‏
وفيجميع تلك العمليات تمارس السياسة تأثيراً مهماً ليس هو الأخير، فالحياة المجتمعيةللوهلة الأولى فقط تشبه الحركة غير المنتظمة للجزيئات في الكون، إذ لهذه الحركةالعشوائية روابطها، اتجاهاتها والقوى الموجهة الخاصة بها تعتبر السياسة، منذ زمنبعيد وعن حق، الأداة الرئيسية للتأثير في الحياة المجتمعية، وهي، أي السياسة، تشكلبمعنى ما، البداية الواعية في عملية التطور الاجتماعي، إذ يجري عن طريقها التحكمالعام بالقضايا المجتمعية، وفيها يرى الناس السبب الأساسي لنجاحاتهم وإخفاقاتهمالفردية والمجتمعية.‏
إنالوظائف الإدارية للسياسة كانت قائمة وموضع بحث منذ نشوء المجتمعات البشرية، إلاأنه في زماننا هذا فقط يجري الكشف، بشكل واضح أكثر من أي وقت مضى، عن الأبعادالإدارية للسلطة السياسية، وهذا يجد تعبيراً له، على وجه الخصوص، في أزمة المذاهبالسياسية ذات الطابع المغلق.‏
لقدتبين أن القرن الماضي هو الأكثر غنى من جهة الأحداث والوقائع ذات الصبغة السياسية،وإذا ما أخذت بمجملها ومجتمعة فإنها تبرهن على أن البشرية تمكنت عملياً وفي الإطارالتاريخي للقرن العشرين من "اختبار" جميع الأفكار السياسية المعروفة للفكر الفلسفيوالسياسي بدءاً من أرسطو وحتى أيامنا هذه ، إن النظريات السياسية: الليبرالية،الفوضوية، المحافظة أو الأصولية، الماركسية، الحداثة ـ كلها خضعت للاختبار العمليبهذا الشكل أو ذاك، بهذه الدرجة أو تلك، ولم يفلح أية منها، خلال تطبيقها على أرضالواقع، في أن يحقق السعادة للبشرية.
لقد جرب المجتمع الدولي جميع أشكال الحكموبناء الدولة، التي يعرفها العلم السياسي المعاصر، إن جميع أشكال النظام السياسيالمعروفة ـ الديموقراطي، التسلطي، التوتاليتاري (الشمولي) أو بعض مشتقاتها مثلالنظام الاستبدادي Despotism ، الدكتاتوري، الديمقراطي ـ الليبرالي والفاشي ـ خضعتللاختبار التاريخي ولا يستطيع أحد الإدعاء أن البشرية قد وجدت فيها ضالتها، وفي هذاالسياق..
 إن النظرية السياسة المعاصرة تعيش أزمنة صعبة للغاية، لأنها عاجزة عن تقديمأي مذهب (Doctrine) سياسي جديد للفكر السياسي التطبيقي، بل في النهاية أدت إلىإرباك الفكر السياسي ذاته بمختلف "ما بعد ـ Post" و "نيو ـ Neo" التي لم تضف من حيثالجوهر أي شيء جديد لما هو معروف.‏
تنشأالحاجة إلى نظرة أخرى مغايرة تجاه ظاهرة السياسة نتيجة لتغير التصورات السابقةلطبيعة التطور المجتمعي، لقد أدت الأزمة السياسية للماركسية إلى إثارة الشكوك فيرؤيتها للتطور التاريخي ، فالمقاربة القائمة على مفهوم التشكيلة الاجتماعية، والتيوضعت أحداث التاريخ العالمي في سياق حركة متسلسلة من الأدنى نحو الأعلى، من الأبسطنحو الأكثر تعقيداً، هي التي قامت على تصور بأنه توجد قوانين وقواعد ما تتحكمبالتطور المجتمعي، والتي يكفي الإطلاع عليها بدرجة كافية لكي نتحكم في النهايةبمسيرة التاريخ، فقد تبين عقمها في ظروف التطور الديناميكي المعاصر للمجتمع، وفيظروف الواقع المتغير وحقائق الحياة المجتمعية المتغيرة بسرعة قياسية.‏
إنالفهم الماركسي للتاريخ، كما بالمناسبة والفهم الهيغلي، مبني على ما يتفق معالتصورات العلمية لحقبة كل منهما، إذ إن النظرة النيوتونية للعالم، والتي كانتمسيطرة حينذاك، دفعت بالعلماء أصحاب التفكير الديالكتيكي إلى البحث عن قوانين عامةللتطور المجتمعي، وأن يقبلوا نظريات هذا التطور في إطار صيغة منتهية وخالية منالتناقضات.‏
بالتأكيد، إن الجهود المبذولة في هذا الاتجاه قد أدت إلى نتائجتبرهن على المقولة الأصلية ليتبين أن لغز التاريخ العالمي، أخيراً، قد تم اكتشافه،وأن قوانين الحياة المجتمعية ـ أضحت مفهومة ، ولكن على الرغم من كل عمق وضخامة تلكالبناءات النظرية فإن الطموحات التي قامت على أساسها قد بولغ بها.‏
يمثلالمجتمع منظومة ذات تنظيم معقد، مفتوحة وغير متوازنة، ويتسم تطورها بطابع ذي اتجاهواحد (غير عكوس) ويقبل الاحتمالات ، وأن يتكرر مثل هذا التطور في الطبيعة لأمر نسبيومشروط جداً، وخلال المسيرة الحقيقية لعملية التطور الاجتماعي تنشأ دائماً أدواريصبح معها التطور اللاحق مبدئياً غير قابل للتنبؤ، لأنه بالدرجة الرئيسية إنما هويتحدد بمختلف المصادفات، وعلى العموم لا يجوز أن نتخيل العملية التاريخية كما لوأنها عبارة عن خط واحد ذي اتجاه تصاعدي بشكل دائم لحركة التاريخ انطلاقاً من أشكالالصيرورة الأقل تطوراً نحو الأشكال الأكثر تطوراً، وذلك لأن الدينامية الاجتماعيةتجد ترجمتها في أكثر حالات التسلسل غرابة: على شكل دورات متعاقبة، وحركات لولبية وعلى شكل متناوب، وعلى شكل أمواج نابضة، وقفزات مكوكية وفي صيغة حركة لا إراديةوعشوائية.‏


إنالطابع المتعرج للتطور المجتمعي يتطلب تعاطياً خاصاً تجاه التحكم بالعملياتالمجتمعية، والعملية السياسية، من وجهة نظر كلاسيكية، تكون إمكانياتها محدودة منحيث الأخذ، بعين الاعتبار، تعدد الاتجاهات واختلاف الأهداف من وراء العملياتالاجتماعية، التي تحدث في وقت واحد وفي مختلف مجالات الحياة المجتمعية، مع مضمونمختلف، ووتيرة مختلفة، واتجاهات مختلفة للحركة، بالنسبة للعمليات غير المعكوسةوالغالبة في المجتمع، إن الأساليب الأكثر نجاعة للمحاكاة والتقليد، من أجل رصدالأحداث وإجراء تقييمات استطلاعية وغير ذلك من الأساليب، هي تلك الموجهة نحواستخدام القوانين الأكثر شمولية من حيث ذاتية التنظيم وذاتية الحركة، والتي تساهمفي تطور المجتمع من خلال الحل الفعال للمشاكل الناشئة، وليس تلك الموجهة نحو البحثعن نماذج مثالية للتطور المجتمعي ونحو تحقيق مشاريع طوباوية، ولذلك ليست مصادفة أنتكون هذه الإشكالية بالضبط هي الاتجاه، الذي يتطور بصورة أكثر ديناميكية في العلمالسياسي المعاصر...‏
إنالعناصر العامة في تنظيم الحياة الاجتماعية، والتي تتميز بها الحضارة الأوروبيةطيلة فترة وجودها، جعلت النقاشات والآراء في السياسة ثابتة ومستقرة والتي تعودبجذورها إلى الأيام الموغلة في القدم، إن العلم الحديث، مثله مثل أرسطو، يرجعالسياسة إلى مجال أنشطة الدولة.‏
ففيقاموس ف. دال(1) لشرح المفردات نجد أنه ينظر إلى السياسة على أنها علم إدارةالدولة، أشكال، أمزجة، وأهداف الحاكم، طريقة أفعاله الخ، وحسب القاموس الحديث لشرحالمفردات الإنكليزية تفهم السياسة على أنها نشاط وجهود الحكومة الوطنية، وخططهاوإجراءاتها، خصوصاً ما يتعلق بتحقيق مصالحها الخاصة، أما قاموس لاروش لشرح المفرداتفي اللغة الفرنسية فإنه ينظر إلى السياسة على أنها فن، ونهج في إدارة الدولة، وكذلكنشاط أولئك الذين يديرون أو يرغبون في إدارة شؤون الدولة، ومعروف جيداً في هذاالخصوص رأي ف. إ. لينين، الذي كان على قناعة في أن السياسة تعني المشاركة في إدارةشؤون الدولة، توجه الدولة، وتحدد صيغة مهام ومضمون نشاط الدولة.‏
كلذلك هو بالتأكيد صحيح ومبرهن عليه من خلال مؤشرات التطور، الذي سلكته الحضارةالأوروبية، ومع ذلك، إن الفهم المعاصر للسياسة يتجه أكثر فأكثر نحو تجاوز التفسيرالكلاسيكي للظاهرة باعتبارها مجرد مشاركة في شؤون الدولة، في توجهات نشاطها وفيالبحث عن أشكال جديدة للدولة.
وقد ساعدت في ذلك الاكتشافات العلمية، التي أنجزهاعالم الاجتماع والخبير في شؤون الإثنيات، الباحث الفرنسي كلود لوي شترواس، وكذلكأفكار الخبير في القانون وشؤون السياسة الألماني كارل شميدت في الاختلاف بين ما هوسياسي وما هو حكومي، وأيضاً الخصائص العملية لتطور المجتمع السياسي الحديث.
يمتاززماننا بأنه غني بالأحداث، التي يصعب فهمها من منظور الفهم العادي البسيط للسياسة،حيث ما هو سياسي لا يتطابق بشكل واضح مع ما هو شأن حكومي، على سبيل المثال كانالفيلسوف الثاقب الفكر مامارداشفيلي يؤكد أنه لا وجود للسياسة في ظل السلطةالسوفيتية، في حين أننا اليوم نرى كيف أنه مع غياب الدولة فعلياً تسيطر السياسةبالكامل في المجتمع، وما يؤكد على أنه لا يجوز اختصار ما هو سياسي بما هو حكومي (حكومي بمعنى شأن الدولة ـ المترجم) والعكس ـ هو أن السياسة لا تعبر عن نفسها فيالصراع من أجل السلطة فقط، بل ومن أجل تحديدها والتضييق عليها وحتى التحرر من هذهالسلطة.‏
إنتطور النظرية والممارسة السياسية يكشف عن آفاق أخرى لظاهرة Phenomena السياسة، قبلكل شيء، السياسة هي عبارة عن سمة متأصلة في طبيعة الإنسان والمجتمع، وهي موزعة علىمجمل فضاء الحياة المجتمعية، ولا تقتصر بشكل قطعي على الدولة، أو على أجهزتهاوالأشخاص القائمين أو على خدمة مصالح الدولة فقط، وأكثر من ذلك إن العملياتالسياسية، التي تتشكل "تحت" عند قاعدة الهرم الاجتماعي، في خضم الحشود الجماهيريةهي الأكثر أهمية والأكثر راهنية من وجهة نظر احتمالية التغيرات المستقبلية.
وفينهاية المطاف إن مصير أي نظام سياسي واستقرار أية دولة يتوقف إلى حد كبير علىماهية تفكيره، وعلى ماذا يخطط، وما هي المثل والآمال التي يتطلع إليها الناسالبسطاء ، بهذه الطريقة تصبح السياسة من هذا المنظار تابعاً دائماً وغير قابلللزوال لعملية التطور المجتمعي، محتفظة في كل مرة بجذرها الخاص مع تحولها في المظهرفقط.‏
بالإضافة لذلك، إن فضاء السياسة ـ عبارة عن مجال لتأثير المصالحالخاصة بصورة دائمة ، إن السعي للتغلب على الآثار السلبية لتظاهر الجوهر السياسي،كان قد أدى في حينه إلى نشوء مؤسسة الدولة (الدولتية)، وهي قائمة اليوم في أشكالالدولة الحديثة في صيغة التناقض الرئيس بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصةالمتواجدة على أرض الواقع، وهذا ما يؤكده بشكل مباشر الافتراق بين النوايا وبينالنتائج في السياسة، هذا الافتراق الذي صار بمعنى ما قانوناً في الممارسةالسياسية.‏
إنالقيادة السياسية بطبيعتها تواقة بصورة قاتلة إلى درجة معقولة للأخطاء التاريخيةوللحسابات الخاطئة والضلالات، فمن صميم السياسة أن تكون السلطة، التي تعبر عنهاميالة بشكل دائم نحو الابتعاد بالتطور السياسي عن التطور الذاتي وعن التطور العام،وهي تفرض في كل مرة أفكاراً مثالية، بحيث إن السعي نحو تحقيقها سيؤدي ـ حتماً ـ إلىإخفاق دوري، وإلى أزمة أو صراع شامل ، حتى عندما تشتغل السلطة السياسية على اتجاهاتونزعات متشكلة تاريخياً، فإنها تعمل، في نهاية المطاف، بما يلحق الضرر، لأنها تسلكطريقاً زلقاً في تجاهل الخيارات البديلة، ذلك الطريق الذي يؤدي إلى تشكل منظومةالقهر والعنف.‏
إنقرينة الخطيئة التاريخية للسلطة السياسية تتحدد بشكل موضوعي على أساس المواصفاتالفطرية للعلاقات السلطوية:‏
تتسمهذه العلاقات بالميل الدائم نحو مركزة السلطة وتحويلها إلى سلطة فردية، ومقاومة هذهالنزعة فقط يمكنها أن تؤدي إلى أشكال تاريخية محددة للسلطة أو الحكم.‏
لايتطابق مفهوما الشعب والسلطة من حيث التعريف، طالما أن العلاقات المتبادلة بينهماتجري في إطار منظومة سياسية من الإحداثيات.‏
لميحدث أنه كانت توجد يوماً ولا في أي مكان صيغة مثالية لسلطة الشعب، وأما الإشكاليةالمتعلقة بآلية تحقيقها، فما زالت حتى الآن دون حل مقنع ولو نظرياً.‏
يمكنلأية مجموعة تستلم السلطة أن تتحول إلى بداية لخط سياسي جديد، لنظام، بل لمنظومةكاملة من المؤسسات السياسية، ويمكنها أن تستبدل مصالح الشعب بتصوراتها الذاتيةالخاصة بهذا الشأن.‏
إنغرابة السلطة السياسية تكمن في أنه يحق للسلطة الشعبية المثالية أن تراهن على الثقةبها، إلا أن الشعب يمكنه المراهنة على السلطة المثالية فقط في حال غياب دائم للثقةبالحكام.‏
إنمبدأ القرينة بالنسبة لمسؤولية السلطة السياسية يعتبر أخلاقياً ، عندما يتم النظرإلى أي من ممثليها بطريقة نقدية منذ البدء، وعندما يبعث السعي إلى السلطة بحد ذاتهشكوكاً متزايدة من قبل المجتمع، ولا يجوز النظر إلى هذا المبدأ على أنه موقف منافٍللدولتية، فالدولة باعتبارها مؤسسة سياسية حديثة برهنت بدرجة كافية على جدوى نشوئهاووجودها، وعلى الرغم من النظرية القائلة بموات الدولة طرداً مع تطور المجتمع، فإنالواقع يؤكد زيادة التعقيدات في وظائفها الداخلية وتعاظم دورها على المستوىالدولي.‏
ليسهناك في الأفق التاريخي القريب أية علامات أكيدة لموات الدولة، ولكن في الوقت نفسهتبدو واضحة للعيان الضرورة المتنامية للنشاط الإشرافي للجهاز الحكومي.
 إن الموقفالنقدي من الدولة، وغياب الثقة نوعاً ما تجاه البيانات السياسية للدولة وتجاهممارستها العملية تسمح بتحييد التيارات السلبية، التي تميز تطور الطبيعة الخاصةللدولة، كما تسمح في الوقت المناسب بتصويب، وبتصحيح أو بتغيير مضمون النهج السياسي،من الطبيعي أن يكون المجتمع الأهلي، قبل كل شيء، هو الحامل لمثل هكذا موقف منالدولة، فعلى مستوى نضجه السياسي العام ودرجة تطور مؤسساته تتوقف في نهاية المطافقابلية السلطة الحكومية للرقابة.‏
ليسمن الصعب أن نلاحظ أن التفاعل بين الدولة وبين المجتمع الأهلي في الصيغة المقترحةيستوعب بشكل كامل قيامه بالدور في إطار الصراع المكشوف أو المحتمل ، إن الصراعوالسياسية مترابطان؛ بعضهما ببعض بصورة وثيقة للغاية ، فمن حيث النشوء، ومن حيثعملية التطور، ومن حيث الآثار الاجتماعية الأساسية والكثير من العوامل الأخرى كلمنهما يكمل الآخر، وهما يفقدان المغزى في كل مرة يكونان منعزلين ، وبالفعل، ماذاكانت ستعني السياسة في حال انتفت الصراعات الممكنة من حياة المجتمع؟ فالسياسةالفاقدة للإرادة وغير المتبلورة، لا بد من أن تفقد المغزى الداخلي لوجودها ، وسوفتنطفئ بالتدريج، دون أن تجد المسوغ لبقائها ، أي أن الصراعات المستمرة فقط هي التيتبقي السياسة دوماً محافظة على حيويتها، وعلى استعداد دائم لأن تتدخل على الفور فيحل المشاكل الاجتماعية التي يقوم النزاع الوشيك بتسليط الضوء عليها.
 "إن السياسة ـحقل العلاقات السياسية ـ هو ذلك العالم حيث لا يوجد السلم ولا يمكن أن يوجد ، إذ إنعالم السياسة هو المجال المحفوف بالنزاعات وبالصراعات ليس بشكل دائم فحسب، بل بدرجةأعلى من أي مجال آخر من مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى".‏
لكلشعب ملامح خاصة به من ملامح السلوك المجتمعي ، فطريقة الاتصال الانفعالية والمتأججة،التي يتصف بها أهالي الجنوب، يمكن أن تبدو كما لو أنها أقرب للنزاع أو لحالة الصراعالوشيك بالنسبة لأهالي الشمال ، ففي الحياة المجتمعية لبعض الشعوب تكون النزاعاتالاجتماعية المكشوفة ظاهرة شائعة إلى حد كبير، في حين أنها قد تكون نادرة بالنسبةلشعب آخر، وينظر إلى كل من هاتين الحالتين باعتبارها حدثاً وطنياً ، كما هو الحالبالنسبة لطباع شخص، يمكن أن يتمتع مجتمع قومي معين بالميل نحو النزاع إلى هذهالدرجة أو تلك.
 ولكن في تاريخ كل شعب وكل مجتمع قد تنشأ مراحل بدرجات متفاوتة منالنزعة نحو الصراع الاجتماعي، من التواتر المتفاوت والتأزم المختلف الحدية منالتآكلات والتصادمات الاجتماعية ، بمعزل عن الثقافة القومية، عن التقاليد التاريخيةوالسلوك الاجتماعي، عن التركيبة النف



سية لمكونات مجموعة من الأفراد، فإن سمة النزوعنحو الصراع في المجتمع قد تتعاظم أو تتراجع، أن تكتسب هذه الأشكال أو تلك من ظهورهاوبلورتها ، أما العامل الحاسم الذي تتغير تحت تأثيره جميع مقاييس النزوع نحو الصراعفي المجتمع، فهو النظام السياسي المسيطر في اللحظة المحددة، نوعية تنظيم وممارسةالسلطة السياسية، وبشكل عام، النظام السياسي في المجتمع.‏
فالنظام السياسي يترك أثره في الحياة السياسية من زاوية الانضباطالمؤسساتي، العلاقة المتبادلة وتراتبية تلك العناصر فيها، التي تعبر قبل كل شيء عنالمصالح الاجتماعية وعن عملية ممارسة السلطة السياسية. 


إن كل تنوع الحياة السياسيةللمجتمع يتخذ في النظام السياسي صفة الحركة المنتظمة المشروطة تبادلياً للعملياتوالظواهر السياسية، ففي النظام السياسي يتحقق فرز عناصر محددة، وفيه يتفاعل تطورهاونشاطها المستقل، وكذلك تنشأ علاقات متبادلة وجسور في سياق التطور المتكامل والكليلمجمل النظام السياسي للمجتمع، فالنظام السياسي يمنح لوحة منظمة ومنضبطة لحركةالعمليات السياسية، يكشف أن الظواهر السياسية تعتمد على تطور الأساس الاقتصاديوالبنية الاجتماعية للمجتمع، ومن ناحية ثانية، يؤكد التأثير النشط للسياسة على جميعنواحي الحياة المجتمعية.
 إن التطابق بين المصالح الجذرية لمختلف الشرائح والمجموعاتالاجتماعية وبين نشاط المؤسسات السياسية، بين الأفراد وبين المجتمع ككل يجعل منالوعي السياسي عاملاً مهماً وقوياً في الوحدة السياسية، في التكاتف والتضامن وفيفاعلية الإصلاحات الاجتماعية.‏
إنالخصائص النوعية للنظم السياسية تدرس بصورة تقليدية من خلال المقارنة بينالتوتاليتارية وبين الديموقراطية، أما مصطلح التوتاليتارية فقد ظهر في الأدبياتالعلمية منذ ثلاثينيات القرن العشرين باعتباره انعكاساً للتوجه المتشكل في العلاقاتالسياسية في بعض بلدان أوروبا الغربية، وقد اكتسب في الكثير من النقاشات العلميةشكل الظاهرة السياسية والاجتماعية المعقدة، التي تمتلك جذورها التاريخية وملامحهاالمعاصرة الخاصة، بل إن بعض العلماء يعود بالتوتاليتارية إلى الطبيعة الأبديةللإنسان وللمجتمع البشري، إلى الجوهر التراتبي (Hierarchism) للعلاقات الإنسانية،بينما يفترض آخرون أن التوتاليتارية ظاهرة غير عادية وغير مألوفة في تاريخ المجتمع،وهي واسمة للحضارة الصناعية وقد تركت أثراً عميقاً في المظهر السياسي للقرنالعشرين.‏
وفيهذا النمط من المجتمعات تصبح الصراعات الاجتماعية ظاهرة نادرة، والقضية هنا لا تكمنفقط في أن العنف و الإكراه تجاه المعارضة يعتبران الضمان بالنسبة للمجتمع "الآمن،الهادئ" فالوسط الاجتماعي بحد ذاته في مثل هذه المجتمعات لا يتمتع بالشروطالضرورية لقيام علاقات اجتماعية طبيعية، فالمصلحة الاجتماعية العامة، التي تتميزبها هذه المجموعة أو تلك، لا يتم إدراكها كما من قبل الأفراد المنتمين لهذهالمجموعة، وذلك بسبب غياب الأشكال المنظمة القادرة على جعل تلك المصلحة في متناولالوعي الفردي، وفي تلك المجتمعات تكون النمطية Stereotype الراسخة لعلم النفسالاجتماعي أقرب إلى المحاكمة المعروفة: "لننتظر مجيء السيد، وعندئذ فإن السيد سيفتيفيما بيننا" أي إن السلطة التي تقرر كل شيء وباسم الجميع، هي التي تلعب دور السيدكحكم ثالث، وبالتالي فإن حق السلطة بلا منازع في أن تعود الكلمة الأخيرة لها وفقطلها في أي جدل اجتماعي، يخلق في وعي العناصر المحتملة للصراع نوعاً من عدم الثقة فيمقدرتهم على الدفاع عن مصالحهم المشتركة بقواهم الذاتية، ولذلك هم يميلون باستمرار،نحو تأجيل الدخول في صراع مكشوف وعلني من ناحية ومن ناحية ثانية، هم مستعدون لوقفالتصرفات الخلافية، حتى قبل أن يحققوا أهدافهم المنشودة ، ودون أن يجربوا في سبيل ذلككل الفرص الممكنة، وذلك بمجرد أن يصلهم "من فوق" الأمر "كفوا عن ذلك".
لقد لاحظأ.توكفيل A.Toqfil بصورة عادلة أن الصراعات الاجتماعية "تنتفي" إذا ما صارت سلطةالدولة المركزية قاهرة، بحيث تعجز أية مجموعة عن الوقوف بوجهها، كما يزيد من صعوبةنشوء الصراعات في النظم التوتاليتارية غياب الآليات المسئولة عن الأنشطة الذاتيةالمجتمعية والتنظيم الذاتي المجتمعي، إذ إن مثل هذه المجتمعات لا تحتمل أية مبادراتغير مرخص بها من فوق، لا لأية أنشطة ذاتية مستقلة، خصوصاً في قضايا السياسة أوالأيديولوجيا ـ هذا هو القانون السائد بلا منازع لعلم النظام التوتاليتاري، القانونالذي يعتني به ويحافظ عليه بواسطة جهاز بيروقراطي يتم تأسيسه خصيصاً لهذا الهدف، فيمثل هذه الظروف تصبح الصراعات الحقيقية ممكنة بين عناصر ذلك الجهاز البيروقراطيوبين مكوناته الداخلية فقط.‏
الوزارات والإدارات، الأقسام السياسية وأجهزة المخابرات، مختلفالاستطالات غير الشكلية في الجهاز بدءاً بالفخذ أو العشيرة على أساس عائلي وصولاًإلى البنى الفاسدة ـ كلها تتحول إلى عناصر محتملة حصراً للصراعات الاجتماعية، والتيتتفاعل في مختلف طبقات البناء الإداري وفي الأروقة المختلفة للسلطة، أي إنّه فيالمجتمع المغلق حتى نزعة الصراع تكتسب طابعاً مغلقاً ، وأما المواطنون فهم يعرفونالحقيقة بشأن الصراعات الدائرة في مكونات السلطة وبناها فقط بعد انتهائها، من خلالنتائجها المعلن عنها وعن طريق عواقبها الاجتماعية.‏
إنالمواصفات الرئيسية للتوتاليتارية المعاصرة، لم تكن تنطبق على الأنظمة الفاشية فقط،بل وتشكلت تدريجياً، وإن بدرجات مختلفة، في جميع البلدان الاشتراكية، وهذا بدورهانعكس على الحالة العامة للنزوع نحو الصراع، للوهلة الأولى يبدو الأمر مدهشاً، إنهخلال مدة طويلة جداً من تاريخ الاشتراكية الواقعية، لم يتعرض المجتمع الاشتراكي لأيهزات وصراعات اجتماعية عميقة.‏
وهيلم تكن كثيرة بالفعل، بل إلى الآن بعد أن افتضح أمر الكثير مما كان سراً فيالسابق يمكن أن نعد على أصابع اليدين فقط الصراعات الاجتماعية الكبيرة، التي كانتقد حدثت في بلدان الاشتراكية الواقعية، ولكن سبب مثل هذه الظاهرة لا يكمن فيالخصوصيات للنظام الاشتراكي فحسب، بل وفي الملامح المميزة للنظام التوتاليتاري،الذي يعيق بشكل مصطنع التعبير الحر عن التململ وعدم الرضا، الذي يمكنه أن يتطور إلىصراع اجتماعي، ويمكن أن نرى بأية طرق وبأية أساليب كانت تتحقق "الهارمونياالاجتماعية" بشكل جيد في الاتحاد السوفييتي السابق.‏
قبلكل شيء، عن طريق التأثير في وعي الناس من قبل جهاز دعائي فائق الضخامة، لقد أدىالضغط الإيديولوجي الشمولي إلى تشكل وعي اجتماعي يخدم بصورة حصرية المصالح السياسيةللنظام السلطوي المسيطر، مما أعطى الانطباع عن أحادية المدلول لما يجري من أحداث فيالمجتمع، لذلك فإن أية محاولة للاختلاف في الرأي، حتى لو صارت معروفة إلى هذه الحدأو ذاك لشرائح واسعة من المواطنين كانت تبدو عاجزة أمام جبروت وإمكانيات التأثيرالتي كانت تتمتع بها المؤسسات الرسمية، الصحافة والمذياع والتلفاز ـ كانت تجيش جميعالوسائل الممكنة للتأثير في وعي المواطن العادي وكانت تتلاعب بشكل محترف بالرأيالعام، وتجهز على الخطر المتمثل بإمكانية اتحاد المواطنين على أساس الأفكارالمناهضة للنهج الرسمي.‏
بالإضافة لذلك، كان التوصل إلى غياب الصراع ظاهرياً يتم عن طريقتسييس أي اصطدام اجتماعي، يمكنه أن يخرج عن سيطرة المؤسسات الرسمية وخارج إطارالقواعد المعترف بها في السلوك المجتمعي، حتى وإن لم يبادر المشاركون فيه إلى طرحأية مطالب ذات طابع سياسي، وأوضح مثال على هذا الأسلوب في معالجة ومنع نشوءالصراعات يمكننا تتبعه من خلال الأحداث في مدينة نوفوتشيركاسك صيف 1962. إن مجردالإطلاع السطحي على تلك الأحداث يظهر كم كانت مختلفة التصرفات الحقيقية للمشاركينعن الاتهامات بارتكاب جرائم سياسية ومعادية للدولة، التي ساقتها ضدهم السلطةالرسمية ونالوا بسببها أعلى درجات العقوبة.‏
إنأحداث مدينة (نوفوتشير كاسك) توضح مرة أخرى خصوصية الموقف، الذي يتخذه النظامالتوتاليتاري تجاه الصراعات غير المرخص بها، والمطلوب عادة أن لا يعرف المواطنون عنمثل هذه الصراعات سوى النزر اليسير، لقد بقي التحريم على الخوض في أحداثنوفوتشيركاسك سارياً على مدى أكثر من عقدين من الزمن، من الطبيعي أنه لم يرد أي ذكرلها في صحف تلك الأيام، فقط في السادس من حزيران من ذلك العام ورد اسم تلك المدينةفي صحيفة "البرافدا" ـ تمت الإشارة إلى أن "العمال هناك يقوّمون بشكل صحيح ارتفاعأسعار المفرق والجملة على اللحوم والزيوت ومشتقاتها".‏
كمايمكن أن نشير إلى مزية أخرى لموقف النظام التوتاليتاري من الصراع الاجتماعي، أي سعيالسلطة لإزالة النزعة الصراعية الكامنة في المجتمع عن طريق الجهود السياسية ذاتالطابع الوقائي، انطلاقاً من منع ظهور تململ أو نقمة اجتماعية وبالتالي إمكانيةظهور حركة رفض شعبية، هذه الخدمة يقدمها الصراع المفتعل من قبل الجهات الرسمية. معروفةٌ "الأعمال" و"الارتكابات" في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين التيكانت تُغذّى من قبل أجهزة الأمن والمخابرات، والتي كانت لها عدة أهداف سياسية هامة،ومن بينها الرغبة بالتخلص من المعارضة المحتملة، والسعي نحو استعراض المستوى العاليمن اليقظة السياسية للرأي العام، وتسهيل إجراء وتنفيذ النهج الاقتصادي والسياسيالمسيطر، ولكن المهمة الرئيسية، على الأرجح، كانت تكمن في منع حدوث حركات اجتماعيةغير ممسوك بها، والسعي بأي ثمن للتعبير عن الوحدة المتماسكة في المجتمع ، وهذا بدورهيزيد من تعاضد ووحدة المجتمع الفعلية، وهذا يعني القضاء على أية ظروف ملائمة لنشوبالصراعات الاجتماعية.‏
وكدليل قاطع على خصوصيات ظهور النزعة للصراع في النظم السياسية ذاتالمركزية الصارمة نذكر نزاعات محددة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق في عقدالتسعينيات من القرن العشرين، فقد كانت تجري جميعها تحت تأثير واضح وصريح من قبلالنخب الحاكمة، والكثير منها كان يتم افتعاله مباشرة من منطلق سياسي، وهذا ينطبقبالدرجة الأولى على أول صراع كبير وعنيف ومع مسحة قومية في كازاخستان، مباشرة بعدإعفاء كوناييف من مهام السكرتير الأول للحزب الشيوعي في الجمهورية وتعيين الروسيكولبين في هذا المنصب، وهذا ينطبق إلى حد معين على الصراعات ذات الصبغة القومية فيكل من أذربيجان، جمهوريات البلطيق وفي جمهورية مولدافيا.
 جميع هذه الصراعات لم تكنعند انطلاقها تحمل مسوغاً قومياً بوجه خاص، وكانت مجرد أداة في أيدي القوىالسياسية، التي تركض وراء مصالحها الخاصة، ليس صدفة، أنه في السنوات الأولى منالصراعات القومية كان يعتري المواطنين العاديين الذهول والحيرة من جراء الصداماتالدموية بين مواطنين من قوميات مختلفة، لم يكن يخطر ببال أحد، أن مجرد الانتماء إلىقومية أخرى كان سبباً للكراهية العميقة ومسوغاً للحقد الشديد، إن مثل هذا المزاجالنفسي كان متوافقاً تماماً مع منطق التواصل بين القوميات، الذي كانت لـه في البلادتقاليد تمتد عشرات السنين من علاقات الصداقة والمودة.‏
لقدكان محقاً بدرجة تامة رمضان عبد اللطيف (عضو مجلس الاتحاد في روسيا) عندما أكد أن "الأساس في جميع هذه الصراعات لا يعود إلى التناقضات القومية نهائياً، وإنما إلىالصراع بين مختلف البنى الإجرامية ـ المافيوزية بقصد إعادة توزيع السلطة والملكية،المشكلة هنا لا علاقة لها بالقوميات إطلاقاً".‏
أمافي المجتمع الديموقراطي فتنشأ حالة مغايرة بشكل كامل،ففي مناخ الحريات الديمقراطيةيكتسب المجتمع الأهلي بالتدريج قواعد وضوابط محددة لنشاطه، وبوجود مجتمع أهلي قويباستقلاليته فإن سلطة الدولة تتخلى بالتدريج عن طموحها وادعائها ضبط جميع ومختلفمظاهر الحياة الأهلية، إن الحرية في تشكيل التنظيمات السياسية والهيئات المجتمعية،التي تحصر نشاطها ضمن إطار القانون الأساسي فقط، فضلاً عن نضج وتطور الآليةالاجتماعية في الكشف عن المصلحة الخاصة والفردية، تخلق نوعية جديدة تماماً منالحياة الاجتماعية.
  



وفي هذه الظروف يصبح بالإمكان تصور الحياة المجتمعية كلوحةباهتة مرقشة لكثير من مراكز العمليات السياسية، التي تتحدد وتتشكل، أي المراكز،بطريقة حرة، أو كحالة عشوائية نوعاً ما، حيث القاعدة الاجتماعية مجرد محصلة غيرمستقرة لتأثير متعدد لمختلف اتجاهات التطور، وبحيث تنشأ هذه المحصلة بصورة موضوعيةضمن ظرف محدد، ولكن نادراً ما يكون لأمد طويل.‏

إنالمجتمع الديموقراطي يميل نحو الاستقرار بفضل مرونته، وليس بفضل "وحدته المتراصةوالراسخة" أو بسب غياب الصراعات، وهو لا يلجأ قط إلى قمع الصراعات أو كبتها، بليخلق الظروف المؤاتية لكي تتظاهر وتعبر عن نفسها بشكل حر. حتى إنه يمكن القول إنّالديموقراطية الحقيقية هي حالة صراعية، إلا أنها، بخلاف الصراعات في النظامالشمولي، صراع معلن وصريح، وكقاعدة، صراع سلمي، ومما يساعد في المجتمعاتالديمقراطية على انتفاء الأشكال المتطرفة من حدة التصادمات الاجتماعية تلك الآلياتالمتطورة من التنظيم الذاتي الاجتماعي، فمع توفر التكنولوجيا الاجتماعية الملائمة،التي تفترض خطوات محددة لإجراء الحوار وبقصد الرقابة والتنسيق والمداولات وفق أسلوبمدروس ومجرب علمياً، فإن الصراع الاجتماعي يتخذ مساراً ديموقراطياً دون عواقباجتماعية سلبية.‏
وبالعودة إلى التجربة السياسية في روسيا، نجد أنه من المفيد تركيزالانتباه بشكل رجعي Retrospectively على الطريقة التي كانت فيها الأحداث السياسيةالجارية تؤثر في نزعة العلاقات الاجتماعية نحو الصراع ، ويجب أن نعترف بأن الصراعاتالاجتماعية كانت، قبل كل شيء، ترافق أكثر تحولات الحياة الاجتماعية اختلافاً من حيثطبيعتها، مضمونها واتجاهاتها السياسية، فقد ترافق بصراعات عاصفة انتقال البلاد إلىالقواعد الاشتراكية في التعامل والعيش، ولم تكن أقل عنفاً الصراعات العاصفة التيرافقت العملية المعاكسة تماماً لذلك.
ويمكننا أن نستنتج من ذلك، أن ظهور النزعةللصراعات، على العموم، لا يرتبط بالخصائص الجوهرية للتحولات الجارية في المجتمع،فبالنسبة لاحتمالية نشوب الصراع يكفي تماماً مجرد وجود التغيرات الحاصلة، وبالإضافةلذلك، إذا حدثت صراعات اجتماعية أثناء أية تحولات مجتمعية بصرف النظر عن نوعيتها،فهذا يعني أنه لا يوجد في التاريخ ولن يوجد نظام اجتماعي قد لا يرضي أحداً أو يرضيالجميع بلا استثناء، إن البشر مع الصراعات يصلون إلى الاستبداد ، ويخرجون منه معصراعات تهلل الحشود المزهوة للمستبدين، والجماهير المنتفضة المحتدة تمارس الاضطهادعليهم.
يستنتج أن كل نمط معروف تاريخياً في تنظيم السلطة لديه مسوغاته المشروطةتاريخياً، فالدكتاتورية تأتي لا لأن الديمقراطيين هفواً عن مجيئها، بل لأن قيامهافي ظروف معينة أمر مرغوب به من قبل الكثيرين، وربما هو ضروري بشكل موضوعي، وذلك منأجل إنقاذ ما هو أكثر أهمية بكثير من البناء الديموقراطي، وبالتحديد، العيش المشتركبحد ذاته، الأمة، البلاد، الدولة والمجتمع الأهلي.
كما إن الإنسان الذي يفقد رأسهلا يمكنه أن يتأسف على شعره، كذلك هو المجتمع، الذي يصطدم بانهيار الدولة، سوفيستقبل الدكتاتورية مع الشكر والامتنان، إذا كانت الوسيلة الوحيدة للحفاظ على أسسالكيان القومي.‏
بالرغم من المجون الخارجي للفرضيات المعلنة، فإنها تعمل لأجلالديموقراطية أكثر بكثير مما تعمل لأجل الدكتاتورية، فالديمقراطية يجب أن تأخذ بنظرالاعتبار أنها ليست "السيدة الجميلة لكل الأزمان وفي جميع الحالات".
ويجب علىالمدافعين عنها أن يفهموا أن الديمقراطية مجبرة لأن تعمل وتحل إشكاليات التقدمالاجتماعي بالطريقة الأمثل ، فإذا لم يحدث ذلك ، وإذا ما اقتصرت محاسن الديموقراطيةعلى مجموعة من المقولات الجميلة ، ولكن الفارغة من مخزون القيم الإنسانية العامة، فإنالكارثة حاصلة بلا ريب بالنسبة للديموقراطية وللديموقراطيين.‏
إنالقرن الفائت يعد الأكثر عمقاً بلا جدال، من حيث خطط التأثير الصراعي في وعي الأمة،خلال كل تاريخها، ولكننا الآن أيضاً مازلنا، بالمقارنة مع الشعوب الأوروبية الأخرى،من حيث تقبلنا للصراع شعباً فوضوياً نوعاً ما، مع سخافات معششة بهذا الشأن،وأحياناً غبية وساذجة إلى حد كبير. "إن المستقبل مخفي عن النظرة البشرية ـ كتب ي.. أيليين ـ ونحن لا نعرف كيف ستؤول سلطة الدولة في روسيا بعد عصر البلاشفة، ولكننانعرف أنه إذا صارت معادية للمصالح القومية وللدولتية، وصارت تجاري مصالح الأجانب،وتلعب دوراً تقسيمياً في البلاد وأصبحت خالية من أية فكرة وطنية، فإن الثورة لنتتوقف، بل سوف تنتقل إلى مرحلة الموت الجديد...".‏
إنجميع الظروف "في روسيا بعد البلاشفة"، والتي كان حذر منها ي.أ.إيليين، كانت قدتكرست في ممارسة القيادة السياسية على مدى العشر سنوات الأخيرة بصورة مطابقة إلىحدود مدهشة، فهل ستتحول كلماته عن الثورة المنتظرة وعن مرحلة الموت الجديد إلىنبوءة؟ في سياق المرحلة الزمنية تلك لم يعد الأمر قائماً، أما في الأفق التاريخيالجديد فالأمر وارد تماماً.‏
روسيابلد شاسع، وبالتالي فإن الترابطات السببية ـ الاستنتاجية للعمليات، المتشكلة عبرفضائها في وعي الملايين الكثيرة من سكانها، لا تنضج بصورة مفاجئة، على الفور. إن "خلد التاريخ" هنا يحفر ببطء شديد. إذ أن عدم التمكن من التقاط الفرصة في اللحظةالمناسبة لتحاشي المسار غير المرغوب في التطور قد يتحول إلى سبب قاتل لأحداثكارثية، عندما لا يعود ممكناً توقف الفوضى أمام السعي المتأخر والمستدرك نحو تغييرما يمكن تغييره في المجتمع في اتجاه الأفضل، وهذا كثيراً ما يحدث في تاريخنا، وليسصدفة، أن مواطننا بالضبط هو من أدرك القاعدة المتكررة.‏
فهذاهو الشاعر الروسي المعروف ف.ي. توتشيف يكتب في رسالته إلى أ.د. بلودوفا بتاريخ 28أيلول 1857 ما يلي:‏
"يوجدفي تاريخ المجتمعات البشرية قانون حتمي لم يسبق أن خان ذاته مطلقاً، فالأزماتالعظيمة، والانتقامات أو القصاصات العظيمة عادة لا تحدث، عندما يبلغ خرق القانونحداً معيناً، عندما يسود الظلم وغياب القانون ويتحكم بكل قوته وبكل عهره، يتم تفريغالانفجار عند أول محاولة خجولة للعودة إلى الخير، عند أول زحف صادق، ربما، ولكنهغير واثق وغير جريء نحو الإصلاح الضروري. عندئذفقط تتم معاقبة أمثال لودوفيغالسادس عشر على أخطاء لودوفيغ الخامس عشر والرابع عشر".‏
أحياناً يبدو لنا، أن كل شيء في التاريخ يتوقف على الإرادة وعلىالدافع لدى القابضين على زمام السلطة، وهذا بالفعل صحيح إلى حد ما (لا يمكن مندونهم) والسياسة تقدم في هذا المجال مجموعة من الحقائق والأدلة الثابتة. إلا أنه لايقل صوابية الرأي المعاكس تماماً: "مادة التاريخ هي حياة الشعوب" (ليف تولستوي).‏
فالتأثير الحاسم في نوعية الحياة المجتمعية واتجاه التطور التاريخيأثناء الممارسة السياسية اليومية إنما يعود إلى العلاقة المحددة، التي تتشكل بينالسلطة الحاكمة في شخص القادة، الزعماء، النخب والجهاز الحكومي وبين الجماهير (السكان، الشعب، العمال الخ). كلما كانت المسافة بين المشاركين في العملية السياسيةأكبر، وبالتالي تأثير أحد الأطراف، كلما كان غير قابل للتنبؤ في مسار التاريخ،وكلما كان أكثر احتمالاً استغلال السلطة، كانت أكثر احتمالاً الانحرافات فيالأولويات السياسية، والانسدادات في التطور المجتمعي، والأزمات السياسية، الصراعاتو الهزات الاجتماعية.‏
تقريباً إن جميع الصعوبات المتعلقة بحل المشاكل الهامة اجتماعياً فيروسيا المعاصرة إنما تنبع من العجز السياسي للسكان المدنيين، ذلك أن المواطنين فيبلادنا قد اعتادوا خلال مرحلة السلطة أن يشكلوا عالة سياسية ومدنية، ألفوا أنالموقف الأهلي الواعي وأن المشاركة والنشاط السياسي المستقل ينظر إليه على أنه نادروخاص نوعاً ما وأنه غير ضروري بالنسبة للمواطن العادي، بل أحياناً يكون ضاراًومداناً، خصوصاً من قبل السلطة.
 إن السلبية السياسية والعجز في الدفاع عن المصالحالخاصة إنما يؤدي إلى عواقب سلبية عامة بالنسبة للبلاد ككل، إن قصور النزعاتالأهلية ينتقم مباشرة على شكل اضطهاد بيروقراطي، عبر غياب القانون، وهبوط مستوىالدخل بالنسبة لغالبية السكان، وبعدم ثقتهم في يوم غد.‏
إنالعجز السياسي التراتبي لمواطنينا ينعكس على المنظومة المعاصرة للتلاعب بالرأيالعام الاجتماعي؛ هذه المنظومة التي تشكلت في شروط مغايرة وبرهنت عن ذاتها بنجاححتى عندما تكون تقاليد الدفاع الذاتي المدني قوية، لقد توصل الباحث السياسي الفرنسيب. شامبان P.Shampan إلى واحدة من أهم النتائج التي تقول: ما هو موجود في الواقع ـهذا ليس رأياً مجتمعياً، بل ليس حتى "رأياً مقاساً في استطلاعات الرأي". ما هوموجود بالفعل في الواقع ـ عبارة عن فضاء اجتماعي جديد فعلياً، حيث تسود مجموعة منالشخصيات الفاعلة ـ تجار الاستطلاعات، الباحثين السياسيين، المستشارين بقضاياالاتصال السياسي والتسويق السياسي، الصحفيين .....
إن الخبراء، وعن طريق استخدامالتقنيات الحديثة كالسبر والاستفتاء عبر الهاتف، الكمبيوترات والمذياع والتلفزيون،إنما يصبغون على "الرأي العام" الوجود السياسي المستقل، الذي قاموا هم أنفسهمبصياغته وطبخه، جاعلين من تحليله والتلاعب به مهنة لهم وبذلك يتسببون بتغيير عميقفي الواقع السياسي ـ ذلك الواقع، الذي يسمح أن يُرى على شاشات التلفاز وذلك الواقع،الذي يعيش فيه الزعماء السياسيون أنفسهم.‏
كماإنه يتم تدنيس مثل هكذا تعبير كلاسيكي عن رأي "التحت" كالمظاهرات، إذ يجري طبخهابشكل مكشوف من قبل وسائل الإعلام الجماهيري (كالمشهد أو الفرجة)، ومن خلالها يتمالتأثير على الرأي العام. ودون تغطيتها في وسائل الإعلام الجماهيري لا وجودللمظاهرات كحدث سياسي.‏
إنالمجال السياسي ينغلق على نفسه أكثر فأكثر بمساعدة جيش من الخبراء، ففي الوقت الذييعتبر فيه التلاعب بالرأي العام في الغرب اليوم عامل اضطراب وإقلاق بالنسبة للتطورالاجتماعي، بالنسبة لظروفنا ما زالت ملحة المشاكل التي تم حلها منذ أمد بعيد فيأغلب البلدان الديموقراطية. إن الحملات الانتخابية في الآونة الأخيرة وعلى مختلفالمستويات تشير بثبات إلى ميزة عامة واحدة الدور المركزي في الانتخابات وتأثير مايسمى بالعامل الإداري. من المثير أن المحللين الغربيين حتى إنهم لا يستوعبون علىالفور فحوى الحديث، إذ لا يمكن أن يخطر ببالهم أن التدخل السافر في العمليةالانتخابية من قبل "القيادة" قد تكون لـه عواقب تتفق مع مصالحها ونتائج تتوخاها هذهالقيادة. وبالنسبة للديمقراطيات الغربية هذا أمر مستحيل، لأن التأثير المباشرالمفضوح على سير العملية الانتخابية لصالح السلطة القائمة يمكن أن تكون لـه نتائجعكسية تماماً فقط.‏
ولكنتوجد حدود لمصدر التأثير الإداري في نتائج الانتخابات، كل نجاح جديد للسلطة القائمةفي استخدام ذلك المصدر إنما فقط يبعد السلطة في المنظور الاستراتيجي عن الشعب، يزيدمن الهوة القائمة بينهما. إذ تنضج وسط الكتلة الجماهيرية، بعد أن تولد، أنماطمختلفة عن تلك المعلنة، من سلم القيم السياسية والسلوك، ينمو باطراد عدم الثقة تجاهالسلطة بشكل عام وعدم الثقة في القدرة على الحفاظ والدفاع عن المصالح الذاتية بطرقديموقراطية، تتأجج مشاعر السخط والغليان في العقول والأفكار، ما يؤدي بمجمله ومنجديد إلى أحداث معروفة في تاريخنا: إما نحو التمرد، إما نحو دعم نظام دكتاتوري آخر. هذا وذاك يعادل الثورة من حيث النتائج، وهذا وذاك حابل بهزات وبأزمات اجتماعيةجديدة، وربما بكوارث عنيفة، كما حذر من ذلك ي.أ.إيلين.
إن المسؤولية في الوضعالسياسي القائم في بلادنا عن احتمال حدوث تطور غير مرغوب نهائياً إنما تقع كاملةعلى عاتق السلطة الحالية، لأن الشعب كشف عن عجزه في مساعدتها على العمل لما فيهمصلحة للبلاد عامة، إنه لجهل عظيم أن تختصر تلك المساعدة في أمر واحد، الثقةالمطلقة بالسلطة، وفي الدعم الكامل والأعمى لكل مبادراتها وأفعالها، ففي الظروفالحالية، في هذه المرحلة من تطور النظم السياسية والاقتصادية لم يعد هذا كافياًالبتة، إن التجربة السياسية للقرن العشرين تبين أن الموقف النقدي فقط تجاه السلطةوالرقابة الدائمة على نشاطها من قبل المجتمع المدني وهيئاته المستقلة هما كفيلانبمنع استبدال المصلحة العامة بالمصلحة الشخصية، وضمان تطور أكثر استقراراً، وتحاشيالصراعات المدمرة والتجارب الخطيرة اجتماعياً.‏
كتب: ت.د.ابراهيم استنبولي

ــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
(1) قاموس دال ـ من أكثر قواميس اللغة الروسية انتشاراً وشهرةً. المترجم.‏
المصدر : مجلة الفكر السياسي بدمشق - - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007م.

إرسال تعليق

ترقيم الصفحات

جميع الحقوق محفوظة © 2014 سمفونية التاريخ ....
برمجة : يعقوب رضا