ads

السبت، 27 فبراير 2010

نشأة المرابطين


نشأة المرابطين

تربية المرابطين على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم :




نشأة المرابطين

تربية المرابطين على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم :


مع كثرة الخيام وازدياد العدد إلى الخمسين فالمائة فالمائة وخمسين فالمائتين، أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع، فقسمهم إلى مجموعات صغيرة، وجعل على كل منها واحدًا من النابغين هكدا كان منهج الشيخ ياسين رحمه الله وهو نفس منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم بداية من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وحين كان يجلس صلى الله عليه وسلم مع صحابته في مكة يعلمهم الإسلام، ومرورًا ببيعة العقبة الثانية حين قسم الاثنين والسبعين رجلًا من أهل المدينة المنورة إلى اثني عشر قسمًا، وجعل على كل قسم (خمسة نفر) منهم نقيبًا عليهم، ثم أرسلهم مرة أخرى إلى المدينة المنورة حتى قامت للمسلمين دولتهم.


فبعد أن طُرد الرجل وأُوذي في الله وضُرب وهُدّد بالقتل، إذا به ينزل بمفرده إلى أعماق الصحراء حتى شمال السنغال وحيدًا طريدًا شريدًا، ثم في زمن لم يتعدى الأربع سنوات يتخرج من تحت يديه ألف رجل على أفضل ما يكون من فهم الإسلام وفقه الواقع.
وفي قبائل صنهاجة المفرّقة والمشتتة توزّع هؤلاء الألف الذين كانوا كما ينبغي أن يكون الرجال، فأخذوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يعلمون الناس الخير ويعرفونهم أمور دينهم، فبدأت جماعتهم تزداد شيئًا فشيئًا، وبدأ الرقم يتخطى حاجز الألف إلى مائتان وألف ثم إلى ثلاثمائة وألف، يزداد التقدم ببطء لكنه تقدم ملموس جدًا.


معنى المرابطين
أصل كلمة الرباط هي ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمن خلفه رباط، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد، روي البخاري بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا..." الحديث
ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يتخذون خيامًا على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين، ويجاهدون في سبيل الله، فقد تَسمى الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه ممن كانوا يرابطون في خيام على نهر السنغال بجماعة المرابطين، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.
كما تطلِق عليهم بعض المصادر الملثمين فيُقال أمير الملثمين ودولة الملثمين، ويرجع سبب هذه التسمية كما يذكر ابن خلّكان في وفيات الأعيان إلى أنهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، فلذلك سموهم الملثمين، وذلك سنّة لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف، وسبب ذلك على ما قيل أن "حمير" كانت تتلثم لشدة الحرّ والبرد يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل كان سببه أن قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء، فإذا أتاهم العدو ظنّوهم النساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر بالعدو.
وقال شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله: وقيل إن سبب اللثام لهم أن طائفة من لَمْتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح، ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً فظنه رجالاً وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنّة يلازمونه فلا يُعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلاً ولا نهاراً.
ومما قيل في اللثّام:
قومٌ لهم درك العلا في حمير وإن انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كل فضيلة غلب الحيـاء عليهم فتلثمو. هـ


كيف كانت الحياة في الرباط :


كان هذا الرباط الذي أقامه الداعية الرباني الفقيه عبد الله بن ياسين بمثابة جامعة عظيمة تخرّج فيها الكثير من القادة والمربين على يد هذا الشيخ الجليل وعلى يد من تربوا على يديه، ولنقترب أكثر من الشيخ وتلامذته في هذا الرباط لنرى حياتهم عن قرب ونعيش بعض مواقفهم ونعرف أسلوب حياتهم في هذا المكان...


أولًا: كان المقبلون على الشيخ في هذا المكان البعيد عن العمران هم الصفوة من بين أهل تلك البلاد التي رفض أهلها بقاء الشيخ بينهم، ورفضوا دعوته اتباعًا لأهوائهم وإيثارًا لدنياهم على آخرتهم، فكان هؤلاء الصفوة الذين انقطعوا إلى الشيخ وتركوا أهلهم وذويهم أهلًا لأن يتربوا على يد هذا المربى العظيم، بل كانوا أهلًا لأن يكون أساتذةً لجيل المرابطين المجاهدين بعد ذلك...




ثانيًا: بدأ الشيخ المربي العظيم عبد الله بن ياسين يعلّم هؤلاء الصفوة ويربيهم على الأسس الإسلامية الصحيحية وعلى الفهم الشامل العميق للإسلام، وكانت تربيته عملية لا نظرية فهم يطبّقون ما يتعلمونه على الفور، وكان الشيخ بفهمه الواضح ونظرته الثاقبة يعرف أولولياته ويرتّبها ولا يستعجل الخطى بل يسير مع تلامذته في أناة شديدة حتى يكون النضج على أحسن ما يكون.


ثالثًا: عاش هذا الجيل من المرابطين في هذا المكان - الرباط - حياة الجهاد والتقشف وكان يعتمدون إلى حدٍّ كبير على الصيد ويقتسمون بينهم ما يرزقهم الله به ويؤثرون بعضهم بعضًا، وربما آثر أحدهم أن ينام جائعًا ويطعم أخاه، فقد أصّل الشيخ فيهم معاني الإيثار والحب في الله والأخوة الإسلامية...قال صاحب كتاب (دولة المرابطين): "وكان أهل الرباط في قمة من الصفاء الروحي، ويعيشون حياة مثالية في رباطهم فيتعاونون على قوتهم اليومي معتمدين على ما توفره لهم جزيرتهم من الصيد البحري يقنعون بالقليل من الطعام، ويرتدون الخشن من الثياب".


وإن هذه النماذج لتذكرنا بالجيل الأول الذي رباه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والذين قال الله فيهم: [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] {الحشر 8} ولا عجب فإن عبد الله بن ياسين رحمه الله قد اتّبع في تّرْبية تلاميذه من المرابطين المنهج النبوي العظيم الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت تلك ثمرته المرجوّة، ومتى اتبع المربّون والمعلّمون هذا المنهج في بناء الأجيال الإسلامية فليس هناك من شك أن هذه الأجيال سترفع راية الإسلام عالية خفّاقة على ربوع العالم كله وسيُعيد المسلمون كل ما افتقدوه من أرض ومقدسات، فهل من مجيب؟!


رابعًا: جمع الشيخ في تربيته للمرابطين بين تربيته لنفوسهم وأرواحهم على الصفاء والنقاء والطاعة لله وبين تربية أجسادهم على القوة والمتانة وتحمّل الصعاب وذلك لأنه يعدّهم لأمر مهم وخطب جلل لا يصلح له إلا من تربى عقلُه على العلم والفقه وروحه على الصفاء والنقاء وجسدُه على الخشونة وقوّة التحمّل.




خامسًا: تدرّج الشيخ - رحمه الله - في بناء القوة في تلامذته المرابطين فبدأ بتأصيل العقيدة الصحيحة في نفوسهم ولم يكن الشيخ يكثر في ذلك من مطالعة العلوم الكلامية والخلافات بين الفرق والتقعّر والتعمّق في أمور لا طائل من ورائها وإنما كان يربي عندهم العقيدة السليمة من خلال التفكر في خلق الله ونعمِهِ ومن خلال العبادة الدائمة من ذكر وصيام وقيام وتهجد وتلاوة للقرآن...وفي خطٍ موازٍ لتأصيل العقيدة الصحيحة في النفوس كان الشيخ - رحمه الله - يبني في جانب آخر من جوانب القوة ألا وهو قوة الإخاء والحب فيما بين المرابطين وهو جانب لا يستهان به بحال من الأحوال، فقوة الأخوة في الله ينبني عليها الكثير من مقوّمات النصر والتمكين، ويحسنُ بها الترابط بين الجنود فيؤثر كل منهم صاحبه على نفسه، ويفتديه بما يستطيع، ويسمع له ويطيع - إن أُمّر عليه - في المنشط والمكره انطلاقًا من هذا الحب وتلك الأخوة...
ومع هاتين القوتين اللّتين حرص الشيخ على بنائهما في جنوده المرابطين لم يكن - رحمه الله - ليُغفل جانبًا مهمًّا من جوانب القوّة ألا وهو قوّة الساعد والسلاح فقد كان الشيخ - رحمه الله - وكما ذكرنا سابقًا يربى تلامذته على الخشونة في المطعم والملبس كما كانوا يتدربون أيضًا على فنون القتال المختلفة استعدادًا لما ينتظرهم من أمور عظيمة، بها عزّ الإسلام ونصرة المسلمين.




وقد انطلق الشيخ - رحمه الله - في كل هذه الأمور من قول الله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ] {الأنفال 60}.




إن من يقرأ عن الشيخ عبد الله بن ياسين والمرابطين الذين كانوا معه قراءة عابرة يظن أنهم جماعة من الناس اعتزلوا قومهم ليعبدوا الله بعيدًا عن ضوضاء العمران ومشاكل الناس فحسب، ولم يكن الأمر كذلك على الإطلاق بل كان هذا الاعتزال جزءًا من خطة كبيرة يتم تنفيذها خطوة بعد خطوة بفهم سليم وعمق في التفكير ودقة في التخطيط وبراعة في التنفيذ.
ومما يلفت النظر كذلك في هذا الرباط المبارك الدقة العالية في التنظيم والتي اتبعها الشيخ ونفذها في هذا الرباط فقد قسّم الشيخ مَن معه إلى مجموعات كثيرة جعل على كلٍ منها واحدًا يعلمهم ويفقههم ويربيهم وعن طريقه تصل إليهم تعليمات الشيخ وتوجيهاته، كما تم تقسيم قادة هذه المجموعات إلى مجموعات أخرى على كلٍ منها أحد النابغين الأذكياء وهكذا يكبر هذا الهرم ليكون في قمّته الشيخ المربي - رحمه الله - يصدر تعليماته فتصل إلى الجميع في انسياب وسهولة دون تعقيد أو تغيير...
كوّن الشيخ - رحمه الله - من نجباء تلاميذه مجلسًا للشورى، كما شكّل إدارات متعددة لتقوم بأمر الرباط والمرابطين، خاصة بعد أن أن صاروا من الكثرة بمكان...

إرسال تعليق

ترقيم الصفحات

جميع الحقوق محفوظة © 2014 سمفونية التاريخ ....
برمجة : يعقوب رضا